في الأسبوع الماضي، بدا معهد العالم العربي وكأنه يستعيد دوره القديم كجسر ثقافي حيّ بين الضفتين العربية والأوروبية، ليس فقط عبر المعارض الفنية واللقاءات الفكرية، بل عبر ذلك الإحساس العميق بأن الثقافة العربية ما تزال قادرة على إنتاج الدهشة داخل مدينة
لم يكن الصمتُ صوتاً غائباً، بل كان مرآةً معلقةً فوق الجدار، كلما اقترب منها رأى وجهه يتحول إلى زجاجٍ شفاف.
كان يكنسُ حزنهُ من الأرض كما تُكنَسُ بقايا طيورٍ محترقة بعد عاصفة كهربائية، ثم يطوي خوفهُ بعنايةٍ داخل مربعات صغيرة ويخبئها في درجٍ خشبيٍّ قرب السرير، حيث تنامُ العناكبُ على أحلامٍ غير مكتملة.
يمكن تشغيل موسيقى هادئة أثناء القراءة:
فِي كُلِّ صَبَاحٍ، كَانَ الرَّجُلُ يَقِفُ قُرْبَ مَحَطَّةِ الحَافِلَاتِ وَيَعْرِضُ ظِلَّهُ لِلْبَيْعِ. لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ جَسَدَهُ وَلَا مَلَابِسَهُ، بَلْ ذَلِكَ السَّوَادَ المُلْتَصِقَ بِالأَرْضِ.
كَانَ الزَّبَائِنُ يَقِيسُونَ الظِّلَّ بِالأَمْتَارِ كَمَا تُقَاسُ الأَقْمِشَةُ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ مِنْهُ أَجْزَاءً صَغِيرَةً يَضَعُونَهَا تَحْتَ أَسِرَّتِهِمْ لِتَبْرِيدِ الكَوَابِيسِ.
فِي المَحْكَمَةِ، وَقَفَ القَاضِي مُرْتَبِكًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلْمُتَّهَمِ ظِلًّا يَضَعُهُ تَحْتَ القَسَمِ.
افْتَتَحَتِ الحُكُومَةُ وِزَارَةً جَدِيدَةً لِتَنْظِيمِ الأَحْلَامِ. صَارَ المُوَاطِنُونَ يُجْبَرُونَ كُلَّ صَبَاحٍ عَلَى تَسْلِيمِ أَحْلَامِهِمْ فِي مَكَاتِبِ البَرِيدِ.
الأَحْلَامُ الجَمِيلَةُ كَانَتْ تُصَادَرُ بِدَعْوَى تَهْدِيدِ الأَمْنِ العَامِّ، أَمَّا الأَحْلَامُ الحَزِينَةُ فَكَانَتْ تُمْنَحُ لَهَا إِعَانَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ.
رَجُلٌ عَجُوزٌ حَلِمَ بِأَنَّهُ يَطِيرُ، فَاعْتَقَلَتْهُ الوِزَارَةُ بِتُهْمَةِ مُحَاوَلَةِ الهَرَبِ الجَوِّيِّ دُونَ تَرْخِيصٍ.
أَعْلَنَتِ المَرْأَةُ فِي الحَيِّ الشَّعْبِيِّ أَنَّهَا وَجَدَتْ أَخِيرًا رَجُلًا وَفِيًّا: ثَلَّاجَتَهَا القَدِيمَةَ.
كَانَتِ الثَّلَّاجَةُ تُصْدِرُ طَنِينًا حَزِينًا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَتَعْتَقِدُ أَنَّهُ اعْتِرَافُ حُبٍّ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ، خَانَتْهَا الثَّلَّاجَةُ مَعَ انْقِطَاعِ الكَهْرَبَاءِ، فَذَابَتِ الأَطْعِمَةُ مِثْلَ أَحْلَامِ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى.
فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ، كَانَ هُنَاكَ حَلَّاقٌ غَرِيبٌ لَا يَقُصُّ الشَّعْرَ، بَلْ الذِّكْرَيَاتِ.
يَدْخُلُ الزَّبُونُ مَهْمُومًا، ثُمَّ يَخْرُجُ خَفِيفًا بِلَا مَاضٍ. السِّيَاسِيُّونَ كَانُوا أَكْثَرَ زَبَائِنِهِ وَفَاءً.
ذَاتَ يَوْمٍ، دَخَلَ الحَلَّاقُ نَفْسُهُ إِلَى دُكَّانِهِ وَنَسِيَ لِمَاذَا جَاءَ.
اسْتَيْقَظَ النَّاسُ لِيَجِدُوا أَنَّ القِطَطَ اسْتَوْلَتْ عَلَى البَرْلَمَانِ.
كَانَتْ قِطَطًا عُمْيَاءَ، لَكِنَّهَا تُدِيرُ البِلَادَ بِكَفَاءَةٍ مُذْهِلَةٍ؛ لِأَنَّ السِّيَاسِيِّينَ السَّابِقِينَ كَانُوا أَيْضًا لَا يَرَوْنَ شَيْئًا.
المُعَارَضَةُ الوَحِيدَةُ جَاءَتْ مِنْ فَأْرٍ مُثَقَّفٍ، لَكِنَّ القِطَطَ مَنَحَتْهُ مَنْصِبَ وَزِيرِ الثَّقَافَةِ.
كَانَ الرَّجُلُ يُشَاهِدُ الأَخْبَارَ بِنَهَمٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، حَتَّى بَدَأَ يَشْعُرُ بِالجُوعِ كُلَّمَا ظَهَرَ المُذِيعُ.
مَدَّ يَدَهُ دَاخِلَ الشَّاشَةِ وَابْتَلَعَ النَّشْرَةَ كَامِلَةً: الحُرُوبَ، وَالتَّضَخُّمَ، وَالمُرَاسِلِينَ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، صَارَ بَطْنُهُ يُصْدِرُ بَيَانَاتٍ رَسْمِيَّةً كُلَّ سَاعَةٍ.
عَلَى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، كَانَ يُوجَدُ فُنْدُقٌ فَاخِرٌ لَا يَرَاهُ الأَحْيَاءُ.
كَانَتْ تَصِلُ إِلَيْهِ سَيَّارَاتٌ سَوْدَاءُ كُلَّ مَسَاءٍ، يَنْزِلُ مِنْهَا رِجَالٌ أَنِيقُونَ مَاتُوا مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
دَخَلَ رَجُلٌ حَيٌّ إِلَى الفُنْدُقِ بِالخَطَإِ، فَقَالَ لَهُ المُدِيرُ: «غُرْفَتُكَ جَاهِزَةٌ مُنْذُ وِلَادَتِكَ».
اخْتَرَعَتِ الدَّوْلَةُ آلَةً ضَخْمَةً لِلتَّصْفِيقِ تُوضَعُ فِي السَّاحَاتِ العَامَّةِ.
كُلَّمَا أَلْقَى مَسْؤُولٌ خِطَابًا، تَبْدَأُ الآلَةُ بِالتَّصْفِيقِ تِلْقَائِيًّا حَتَّى تَرْتَجَّ النَّوَافِذُ.
وَفِي يَوْمٍ مَا، تَعَطَّلَتِ الآلَةُ، فَاكْتَشَفَ المُوَاطِنُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَاذَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ بِيَدَيْهِ غَيْرَ التَّصْفِيقِ.
كَانَ الرَّجُلُ يَجُرُّ عَرَبَةً صَغِيرَةً يَبِيعُ فَوْقَهَا قُلُوبًا مُسْتَعْمَلَةً، وَكُلًى شِبْهَ جَدِيدَةٍ، وَضَمَائِرَ نَادِرَةً جِدًّا.
أَحَدُ الوُزَرَاءِ اشْتَرَى ضَمِيرًا صَغِيرًا، لَكِنَّهُ أَعَادَهُ بَعْدَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ سَبَّبَ لَهُ أَرَقًا حَادًّا.
فِي نِهَايَةِ السُّوقِ، اكْتَشَفَ البَائِعُ أَنَّهُ بَاعَ قَلْبَهُ بِالخَطَإِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
كَانَتِ المَدِينَةُ تَكْبُرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِطَرِيقَةٍ مُخِيفَةٍ.
الشَّوَارِعُ تَبْتَلِعُ الأَرْصِفَةَ، وَالعِمَارَاتُ تَلْتَهِمُ الحَدَائِقَ، وَالإِعْلَانَاتُ الضَّخْمَةُ تَأْكُلُ السَّمَاءَ قِطْعَةً قِطْعَةً.
وَقَفَ رَجُلٌ فَوْقَ سَطْحِ بِنَايَةٍ عَالِيَةٍ وَقَالَ سَاخِرًا: «عَلَى الأَقَلِّ، نَحْنُ نَعِيشُ دَاخِلَ كَائِنٍ يَمْلِكُ شَهِيَّةً وَطَنِيَّةً مُمْتَازَةً».
تنهض هذه القصص القصيرة على تخييل غرائبي وسوريالي، حيث تتحول السياسة إلى قاعة مرايا، ويتحول الضمير إلى مادة قابلة للاحتراق، وتصبح الكوابيس وثائق رسمية. إنها كتابة ساخرة تستعمل المفارقة السوداء لكشف هشاشة الإنسان داخل عالم يبتلع المعنى ويعيد إنتاج العبث.
روابط مقترحة للقراءة الموازية: السريالية | القصة القصيرة | السخرية السوداء
© عَبْدُهُ حَقِّي ـ جميع الحقوق محفوظة
أكتب هذه السطور بضميرٍ
لم يعد يختبئ خلف الجماعة، بضميرٍ لم يعد يحتاج إلى حماية الشعارات، ولا إلى دفء
التنظيم، ولا إلى يقينٍ مستعار من كتبٍ قرأتها أكثر مما عشتها، لأنني أدركت
متأخراً أن ما تبقّى من هذه الرحلة ليس انتصاراً ولا هزيمة، بل أثرٌ عميق في
داخلي، أثر يشبه الندوب، لا يختفي، لكنه يتغيّر، يهدأ، ويصير جزءاً من وجهي لا من
جراحي.
الفصل الثاني عشر: بين الصريح وحرقة المسكوت عنه
مقدمة الرواية : لم يكن هدفي وغايتي من كتابة هذه الرواية لأستعيد جراحات سبعينات القرن الماضي وانتكاسات الثمانينات كما تُستعاد الصور الباهتة...
