الجمعة، يناير 30، 2026

أنا ابنُ هذا النهر حين يغضب: عبده حقي

 


أَمْشِي فِي المَاءِ كَأَنِّي أَمْشِي فِي ذَاكِرَتِي،

وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَغْرَقُ فِي اسْمٍ قَدِيمٍ،
أَقُولُ: هَذَا بَيْتُنَا، فَيَرُدُّ النَّهْرُ:
كُلُّ البُيُوتِ عَابِرَةٌ إِلَّا الأَثَر.

لَمْ تَأْتِ الفَيَاضَاتُ وَحْدَهَا،
جَاءَتْ مَعَهَا صُوَرُ الطُّفُولَةِ،
وَجُدْرَانٌ كَانَتْ تَحْفَظُ أَسْمَاءَنَا
فَصَارَتْ تُجِيدُ النِّسْيَان.

أُصَافِحُ شُبَّاكًا غَارِقًا،
فَيَخْرُجُ مِنْهُ صَوْتُ أُمِّي:
«اِحْذَرِ المَاءَ، فَهُوَ لَا يَنْسَى»
وَلَمْ تَقُلْ لِي يَوْمًا: اِحْذَرِ الوَطَن.

النَّهْرُ هُنَا لَيْسَ نَهْرًا،
إِنَّهُ جُمْلَةٌ غَاضِبَةٌ فِي نَصِّ الجُغْرَافِيَا،
يُصَحِّحُ الأَخْطَاءَ بِالْغَرَقِ،
وَيَكْتُبُ تَارِيخَهُ عَلَى الأَبْوَاب.

أَرَى النَّاسَ يُنْقِذُونَ أَحْذِيَتَهُمْ،
وَيَتْرُكُونَ الأَحْلَامَ لِلمَاءِ،
كُلُّ شَيْءٍ يُنْقَذُ إِلَّا الصَّوْتَ
الَّذِي كَانَ يَقُولُ: سَنَنْجُو.

أَقُولُ لِنَفْسِي: هَذَا مَجَرَّدُ مَطَر،
وَتُكَذِّبُنِي السَّاعَاتُ الطَّافِيَةُ،
فَالْمَطَرُ عَابِرٌ،
أَمَّا الفَيْضَانُ فَمِرْآة.

تَتَحَوَّلُ الشَّوَارِعُ إِلَى أَسْئِلَةٍ،
وَالأَسْئِلَةُ إِلَى مِيَاهٍ،
وَأَنَا وَسَطَهُمَا
أَحْمِلُ رَأْسِي كَجَزِيرَةٍ صَغِيرَة.

فِي القَصْرِ الكَبِيرِ،
يَتَعَلَّمُ الجِدَارُ السِّبَاحَةَ قَبْلَ الأَطْفَال،
وَتُصْبِحُ النَّافِذَةُ قَارِبًا،
وَالدُّعَاءُ خَرِيطَةَ نَجَاة.

أَسْمَعُ المَسَاجِدَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا،
لَيْسَ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ
بَلْ لِتُذَكِّرَ المَاءَ
أَنَّ لِهَذَا المَكَانِ قَلْبًا.

كُلُّ غَرِيقٍ هُنَا لَهُ اسْمٌ،
وَلَهُ كُوبُ شَايٍ لَمْ يُكْمِلْهُ،
وَلَهُ وَعْدٌ صَغِيرٌ
كَانَ يَكْفِي لِحَيَاةٍ أُخْرَى.

أَمْشِي، وَالمَاءُ يَصِلُ إِلَى صَدْرِي،
وَأَقُولُ: لَا بَأْسَ، سَأَتَعَلَّمُ الطُّفُو،
فَتُجِيبُ ذَاكِرَتِي:
لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَفَا نَجَا.

الفَيْضَانُ يُعَرِّي المَدِينَةَ،
وَيُظْهِرُ مَا كُنَّا نُخْفِيهِ تَحْتَ الزِّفْتِ،
يُظْهِرُ الفَقْرَ، وَالصَّبْرَ،
وَيُظْهِرُنِي أَكْثَرَ وَحْدَةً.

أَقُولُ لِلنَّهْرِ: خَفِّفْ خُطُوَتَكَ،
فَيَقُولُ: تَعَلَّمُوا الإِصْغَاءَ،
فَأَنَا لَا أَهْدِمُ،
أَنَا أُذَكِّر.

وَحِينَ يَنْحَسِرُ المَاءُ،
تَبْقَى الرُّطُوبَةُ فِي القُلُوبِ،
وَتَبْقَى القَصْرُ الكَبِيرُ
تَكْتُبُ اسْمَهَا بِالطِّينِ.

أَخْرُجُ مِنَ الفَيْضَانِ،
وَلَا أَخْرُجُ مِنَ القَصِيدَةِ،
فَهَذِهِ المَدِينَةُ
تَغْرَقُ فِيَّ كُلَّمَا كَتَبْتُهَ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق