السبت، فبراير 07، 2026

قصائد (الماءُ الَّذِي كَشَفَ الْمَعْنَى) عبده جقي

 


1

اَلْفَيْضَانُ لَمْ يَأْتِ مِنَ النَّهْرِ، بَلْ مِنْ دَاخِلِ الْمَعْنَى.
اَلْأَشْيَاءُ غَرِقَتْ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ.
اَلْبُيُوتُ فَقَدَتْ سَبَبَ وُقُوفِهَا.
اَلْأَبْوَابُ لَمْ تُفْتَحْ، بَلِ اسْتَسْلَمَتْ.
وَكَانَ الْغَرَقُ شَكْلًا آخَرَ مِنَ الْبَقَاءِ.

2
اَلْمَاءُ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا عَنْ اسْمِهِ.
اَلْوُجُوهُ ذَابَتْ قَبْلَ الْأَجْسَادِ.
اَلذَّاكِرَةُ انْسَحَبَتْ بِهُدُوءٍ.
اَلْأَطْفَالُ لَمْ يَبْكُوا، لِأَنَّ الْبُكَاءَ فِكْرَةٌ يَابِسَةٌ.
وَمَا بَقِيَ لَمْ يَكُنْ حَيَاةً وَلَا مَوْتًا.

3
اَلْفَيْضَانُ حَدَثٌ بِلَا شَاهِدٍ.
حَتَّى الْخَوْفُ غَرِقَ فِي نَفْسِهِ.
اَلْأَرْضُ لَمْ تَطْلُبِ النَّجَاةَ.
اَلزَّمَنُ تَوَقَّفَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ ضَرُورِيًّا.
وَكُلُّ شَيْءٍ صَارَ فَائِضًا عَنِ الْحَاجَةِ.

4
اَلْمَاءُ صَعِدَ لِأَنَّ الْفَرَاغَ كَانَ أَعْمَقَ.
اَلْبُيُوتُ لَمْ تُقَاوِمْ، فَقَدْ نَسِيَتْ لِمَاذَا بُنِيَتْ.
اَلْأَصْوَاتُ اخْتَفَتْ دُونَ أَثَرٍ.
اَللَّيْلُ لَمْ يَبْدَأْ وَلَمْ يَنْتَهِ.
وَالْوُجُودُ تَسَاءَلَ ثُمَّ صَمَتَ.

5
اَلْفَيْضَانُ مَحَا الْفَرْقَ بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ.
اَلْأَجْسَادُ صَارَتْ عِبْئًا عَلَى الْمَاءِ.
اَلْأَسْمَاءُ انْكَسَرَتْ عِنْدَ أَوَّلِ مَوْجَةٍ.
اَلْوَعْيُ تَأَخَّرَ عَنِ الْغَرَقِ.
وَمَا نَجَا لَمْ يَعْرِفْ لِمَاذَا نَجَا.

6
اَلْمَاءُ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا، بَلْ نَتِيجَةً.
اَلْخَرَابُ سَبَقَ الْفَيْضَانَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
اَلْجُدْرَانُ كَانَتْ خَاوِيَةً قَبْلَ السُّقُوطِ.
اَلنَّاسُ غَرِقُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا فَارِغِينَ.
وَالنَّهْرُ لَمْ يَفْعَلْ سِوَى الْكَشْفِ.

7
اَلْفَيْضَانُ عَلَّمَ الْأَشْيَاءَ صَمْتَهَا الْأَخِيرَ.
لَا صُرَاخَ، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يَسْتَمِعُ.
اَلْخُطُوَاتُ بِلَا أَرْضٍ.
اَلسَّمَاءُ بِلَا اتِّجَاهٍ.
وَالسُّؤَالُ بِلَا ضَرُورَةٍ.

8
حِينَ غَمَرَ الْمَاءُ كُلَّ شَيْءٍ، لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ.
اَلْعَدَمُ كَانَ أَسْبَقَ.
اَلْحَيَاةُ انْسَحَبَتْ دُونَ احْتِجَاجٍ.
اَلْمَوْتُ لَمْ يَتَدَخَّلْ.
وَبَقِيَ الْوُجُودُ وَاقِفًا فِي الْمَاءِ بِلَا مَعْنًى.

9
اَلْفَيْضَانُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
كُلُّ مَا غَرِقَ كَانَ مُسْتَعِدًّا.
اَلْأَجْسَادُ لَمْ تُقَاوِمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتْعَبَةً مِنْ أَنْ تَكُونَ.
اَلزَّمَنُ تَسَرَّبَ مِنَ الشُّقُوقِ.
وَاللَّحْظَةُ ابْتَلَعَتْ نَفْسَهَا.

10
اِنْسَحَبَ الْمَاءُ أَخِيرًا.
لَكِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَعُدْ أَرْضًا.
وَالْإِنْسَانُ لَمْ يَعُدْ شَاهِدًا.
لَمْ يَبْقَ أَثَرٌ لِلْكَارِثَةِ.
لِأَنَّ الْكَارِثَةَ كَانَتِ الْوُجُودَ ذَاتَهُ.

توقيع الكاتب المغربي : عبده حقي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق