الأحد، مارس 15، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي (دفنا الماضي ) إعداد عبده حقي


عَبْدُ الْكَرِيمِ غَلَّابُ (31 دِيسَمْبِر 1919 – 14 غُشْت 2017) كَاتِبٌ وَرِوَائِيٌّ وَمُؤَرِّخٌ وَصَحَفِيٌّ مَغْرِبِيٌّ بَارِزٌ، وُلِدَ بِمَدِينَةِ فَاسَ، وَيُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ وَالصَّحَافَةِ فِي الْمَغْرِبِ خِلَالَ الْقَرْنِ العِشْرِينَ. جَمَعَ فِي مَسِيرَتِهِ بَيْنَ الكِتَابَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ وَالنِّضَالِ الوَطَنِيِّ وَالعَمَلِ الصَّحَفِيِّ، فَكَانَ أَحَدَ الأَصْوَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي سَاهَمَتْ فِي تَشْكِيلِ الوَعْيِ الْفِكْرِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ فِي الْمَغْرِبِ الحَدِيثِ.

تَلَقَّى غَلَّابُ تَعْلِيمَهُ الأَوَّلِيَّ فِي كُتَّابٍ لِحِفْظِ القُرْآنِ بِفَاسَ، ثُمَّ التَحَقَ بِمَدَارِسِهَا الحُرَّةِ وَبِجَامِعَةِ القَرَوِيِّينَ، قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَ دِرَاسَتَهُ فِي جَامِعَةِ القَاهِرَةِ حَيْثُ حَصَلَ عَلَى إِجَازَةٍ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ سَنَةَ 1944. وَخِلَالَ فَتْرَةِ دِرَاسَتِهِ بِمِصْرَ، انْخَرَطَ فِي الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى اسْتِقْلَالِ المَغْرِبِ، وَسَاهَمَ فِي تَنْشِيطِ الحَرَكَةِ الطُّلَّابِيَّةِ وَالتَّعْرِيفِ بِالقَضِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ.

بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى المَغْرِبِ، انْخَرَطَ فِي العَمَلِ الصَّحَفِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ، وَارْتَبَطَ بِحِزْبِ الاسْتِقْلَالِ، حَيْثُ تَوَلَّى رِئَاسَةَ تَحْرِيرِ جَرِيدَةِ «العَلَم» لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، فَأَصْبَحَ أَحَدَ أَبْرَزِ الأَقْلَامِ الصَّحَفِيَّةِ فِي المَغْرِبِ. كَمَا شَغَلَ عِدَّةَ مَسْؤُولِيَّاتٍ ثَقَافِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، مِنْهَا المُشَارَكَةُ فِي تَأْسِيسِ اتِّحَادِ كُتَّابِ المَغْرِبِ الَّذِي تَرَأَّسَهُ بَيْنَ 1968 وَ1976.

أَمَّا فِي مَجَالِ الإِبْدَاعِ الأَدَبِيِّ، فَقَدْ تَرَكَ غَلَّابُ إِرْثًا مُهِمًّا فِي الرِّوَايَةِ وَالقِصَّةِ وَالدِّرَاسَةِ الفِكْرِيَّةِ. وَمِنْ أَشْهَرِ رِوَايَاتِهِ «دَفَنَّا المَاضِي» (1966) الَّتِي تُعَدُّ مِنْ الرِّوَايَاتِ المُبَكِّرَةِ فِي الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ الحَدِيثِ وَتُصَوِّرُ التَّحَوُّلَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةَ فِي المَغْرِبِ بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ. كَمَا كَتَبَ رِوَايَاتٍ أُخْرَى مِثْلَ «سَبْعَةُ أَبْوَابٍ» وَ**«صَبَاحٌ وَيَزْحَفُ فِي اللَّيْلِ»**، إِلَى جَانِبِ مَجْمُوعَاتٍ قِصَصِيَّةٍ وَدِرَاسَاتٍ فِكْرِيَّةٍ تَنَاوَلَتِ القَضَايَا الثَّقَافِيَّةَ وَالتَّارِيخِيَّةَ فِي المَغْرِبِ.

يُعَدُّ عَبْدُ الْكَرِيمِ غَلَّابُ مِنْ رُوَّادِ الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ الحَدِيثِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالفِكْرِ السِّيَاسِيِّ وَالصَّحَافَةِ، وَقَدْ تُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى عِدَّةِ لُغَاتٍ، وَنَالَ عِدَّةَ تَكَارِيمَ ثَقَافِيَّةٍ، مِنْهَا جَائِزَةُ الثَّقَافَةِ المَغَارِبِيَّةِ بِتُونِسَ سَنَةَ 2004. وَيُعْتَبَرُ حُضُورُهُ فِي الثَّقَافَةِ المَغْرِبِيَّةِ مِثَالًا لِلْمُثَقَّفِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ النِّضَالِ الوَطَنِيِّ وَالإِبْدَاعِ الأَدَبِيِّ وَالالتِزَامِ الثَّقَافِيِّ.

مَدِينَةُ الذَّاكِرَةِ وَوَعْدُ الْمُسْتَقْبَلِ فِي رِوَايَةِ «دَفَنَّا الْمَاضِي»

أَصْدِقَائِي الأَعِزَّاءُ مُتَابِعِي صَفْحَتِي، أُحَيِّيكُمْ تَحِيَّةً ثَقَافِيَّةً مَغْرِبِيَّةً صَادِقَةً، وَأَدْعُوكُمْ فِي هَذِهِ الْحَلْقَةِ إِلَى رِحْلَةٍ أَدَبِيَّةٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ أَهَمِّ رَوَايَاتِ الأَدَبِ الْمَغْرِبِيِّ الْحَدِيثِ، وَهِيَ رِوَايَةُ «دَفَنَّا الْمَاضِي» لِلرِّوَائِيِّ وَالْمُفَكِّرِ الْمَغْرِبِيِّ عَبْدِ الْكَرِيمِ غَلَّاب، وَهِيَ رِوَايَةٌ صَدَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ سَنَةَ 1966، وَتُعَدُّ مِنَ النُّصُوصِ الْمُؤَسِّسَةِ لِفَنِّ الرِّوَايَةِ فِي الْمَغْرِبِ الْمُعَاصِرِ.

فِي السِّتِّينِيَّاتِ مِنَ الْقَرْنِ الْمَاضِي، كَانَ الْمَغْرِبُ يَعِيشُ مَرْحَلَةً دَقِيقَةً مِنْ تَارِيخِهِ: مَرْحَلَةَ مَا بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حَيْثُ تَتَزَاحَمُ الْأَسْئِلَةُ حَوْلَ الْهُوِيَّةِ وَالْحَدَاثَةِ وَمَصِيرِ الْمُجْتَمَعِ. فِي هَذَا السِّيَاقِ ظَهَرَتْ رِوَايَةُ «دَفَنَّا الْمَاضِي» لِتُعَبِّرَ عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْمُتَوَتِّرَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْمُجْتَمَعُ الْمَغْرِبِيُّ يَنْتَقِلُ مِنْ عَالَمِ التَّقَالِيدِ إِلَى أُفُقِ التَّغْيِيرِ وَالْحَدَاثَةِ.

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي مَدِينَةِ فَاس، وَهِيَ مَدِينَةٌ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فَضَاءٍ مَكَانِيٍّ فِي النَّصِّ، بَلْ هِيَ شَخْصِيَّةٌ ثَانِيَةٌ تَتَنَفَّسُ بَيْنَ أَزِقَّتِهَا وَدُورِهَا التَّارِيخِيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ هَذَا الْفَضَاءِ السَّرْدِيِّ، يَرْسُمُ غَلَّابُ صُورَةً مُعَقَّدَةً لِلْمُجْتَمَعِ الْمَغْرِبِيِّ فِي فَتْرَةِ التَّحَوُّلِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمِ التَّقَالِيدِ الْمُتَجَذِّرَةِ وَعَالَمِ التَّغْيِيرِ الَّذِي تَفْرِضُهُ تَحَوُّلَاتُ التَّارِيخِ.

وَتُعَدُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فِي رَأْيِ كَثِيرٍ مِنَ النُّقَّادِ، وَاحِدَةً مِنْ أَوَائِلِ الرِّوَايَاتِ الْمَغْرِبِيَّةِ الَّتِي اسْتَوْفَتِ الْمَعَايِيرَ الْفَنِّيَّةَ لِلرِّوَايَةِ الْحَدِيثَةِ، مِنْ حَيْثُ بِنَاءُ الشَّخْصِيَّاتِ وَتَعَدُّدُهَا وَتَطَوُّرُ الأَحْدَاثِ وَتَعْقِيدُ الرُّؤْيَةِ السَّرْدِيَّةِ.

تُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ مَجْمُوعَةً مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي تُمَثِّلُ فِئَاتٍ مُخْتَلِفَةً مِنَ الْمُجْتَمَعِ الْمَغْرِبِيِّ. فَمِنْ خِلَالِ تَفَاعُلِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ، نَكْتَشِفُ الصِّرَاعَ الْعَمِيقَ بَيْنَ قِيَمِ الْمَاضِي وَتَطَلُّعَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَيَتَجَلَّى هَذَا الصِّرَاعُ فِي قَضَايَا اجْتِمَاعِيَّةٍ مُهِمَّةٍ، مِثْلَ الْفَوَارِقِ الطَّبَقِيَّةِ، وَوَضْعِ الْمَرْأَةِ، وَمَسْأَلَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالْكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

وَفِي عَمْقِ هَذَا السَّرْدِ، نَجِدُ رِسَالَةً فِكْرِيَّةً وَاضِحَةً: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ مُسْتَقْبَلَهُ إِلَّا إِذَا وَاجَهَ مَاضِيَهُ وَفَهِمَهُ وَتَجَاوَزَ سِلْبِيَّاتِهِ. فَعُنْوَانُ الرِّوَايَةِ «دَفَنَّا الْمَاضِي» لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ التَّارِيخِ، بَلْ يَعْنِي التَّحَرُّرَ مِنْ أَعْبَاءِ التَّقَالِيدِ الَّتِي تُعِيقُ تَقَدُّمَ الْمُجْتَمَعِ.

وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْفَنِّيَّةِ، يَعْتَمِدُ غَلَّابُ أُسْلُوبًا سَرْدِيًّا وَاقِعِيًّا قَرِيبًا مِنَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، مَعَ لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ رَصِينَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ بَسَاطَةِ التَّعْبِيرِ وَعُمْقِ الدَّلَالَةِ. وَقَدِ اسْتَطَاعَ مِنْ خِلَالِ هَذَا الأُسْلُوبِ أَنْ يُحَوِّلَ تَارِيخَ الْمُجْتَمَعِ الْمَغْرِبِيِّ إِلَى حِكَايَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُمْتِعَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّشْوِيقِ وَالتَّأَمُّلِ.

وَلِهَذَا لَيْسَ مِنَ الْغَرِيبِ أَنْ تَحْقِقَ الرِّوَايَةُ انْتِشَارًا وَاسِعًا فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ مُنْذُ أَوَاخِرِ السِّتِّينِيَّاتِ، وَأَنْ تُتَرْجَمَ إِلَى لُغَاتٍ أُخْرَى، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ تَجْرِبَةً إِنْسَانِيَّةً تَعْكِسُ صِرَاعَ الْمُجْتَمَعَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ مَعَ رِيَاحِ التَّغْيِيرِ.

إِنَّ قِيمَةَ «دَفَنَّا الْمَاضِي» لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي مَوْضُوعِهَا، بَلْ فِي مَكَانَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ. فَهِيَ رِوَايَةٌ كَتَبَهَا جِيلٌ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ الَّذِينَ عَاشُوا تَجْرِبَةَ النِّضَالِ الْوَطَنِيِّ، وَكَانُوا يُؤْمِنُونَ بِدَوْرِ الأَدَبِ فِي تَغْيِيرِ الْمُجْتَمَعِ وَبِنَاءِ وَعْيٍ جَدِيدٍ.

وَلِذَلِكَ تَبْقَى هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَاحِدَةً مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُعَلِّمُنَا أَنَّ الأَدَبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَسْلِيَةٍ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِفَهْمِ التَّارِيخِ وَاسْتِشْرَافِ الْمُسْتَقْبَلِ.

أَعِزَّائِي، إِذَا كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَتَعَرَّفُوا عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّحَوُّلِ الَّذِي عَرَفَهُ الْمُجْتَمَعُ الْمَغْرِبِيُّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الْقَرْنِ العِشْرِينَ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ رِوَايَةِ «دَفَنَّا الْمَاضِي» سَتَكُونُ رِحْلَةً فِكْرِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. فَهِيَ لَيْسَتْ فَقَطْ حِكَايَةَ مَدِينَةٍ أَوْ عَائِلَةٍ، بَلْ هِيَ حِكَايَةُ وَطَنٍ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقِهِ بَيْنَ ظِلَالِ التَّارِيخِ وَضَوْءِ الْمُسْتَقْبَلِ.

تَحِيَّاتِي لَكُمْ جَمِيعًا،
الْكَاتِبُ الْمَغْرِبِيُّ عَبْدُهُ حَقِّي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق