السبت، مايو 30، 2026

(حديقةٌ في آخر الطريق ) قصيدة للشاعر عبده حقي


كُنْتُ أَرْكُضُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ،

كَأَنَّ الطُّرُقَ خُلِقَتْ لِأَجْلِ خُطَايَ،
وَكَأَنَّ الْأَحْلَامَ طُيُورٌ مِنْ ذَهَبٍ
إِنْ لَمْ أُلَاحِقْهَا
هَاجَرَتْ مِنْ سَمَائِي.

حَمَلْتُ أَعْوَامِي عَلَى كَتِفِ التَّعَبِ،
وَعَبَرْتُ مُدُنًا
تَرَكْتُ أَسْمَاءَهَا تَتَسَاقَطُ مِنْ ذَاكِرَتِي
كَأَوْرَاقِ خَرِيفٍ بَعِيد،
وَرَأَيْتُ وُجُوهًا
مَرَّتْ كَالسَّحَابِ
ثُمَّ ذَهَبَتْ دُونَ وَدَاعٍ.

وَفِي زَحَامِ الرَّكْضِ
أَضَعْتُ حِكَايَتِي،
وَنَسِيتُ الرَّجُلَ
الَّذِي خَرَجَ يَوْمًا
بِقَلْبٍ صَغِيرٍ
يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى لِلْمَسَافَةِ.

ثُمَّ جَاءَ صَبَاحٌ خَرِيفِيٌّ
مُثْقَلٌ بِرَائِحَةِ الْعُمْرِ،
فَأَدَرْتُ الْوُجُوهَةَ نَحْوَ الْبَدَايَةِ،
وَعُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ.

عُدْتُ إِلَى الْبَوَّابَةِ الْقَدِيمَةِ،
إِلَى الْجِدَارِ الَّذِي حَفِظَ أَسْمَاءَنَا،
إِلَى أَشْجَارِ التُّفَّاحِ
الَّتِي مَا زَالَتْ تُعْطِي
أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَتْ مِنْهَا السِّنُونَ.

هُنَاكَ،
حَيْثُ تَتَسَلَّقُ الْوُرُودُ جُدْرَانَ الْقَلْعَةِ،
وَيَمُرُّ النَّسِيمُ الْوَدِيعُ
كَأَنَّهُ رِسَالَةٌ مِنَ الْغَابِرِينَ،
وَيُسْنِدُ الْغُرُوبُ رَأْسَهُ
إِلَى الْحِجَارَةِ الْعَتِيقَةِ.

لَا تَاجَ أُرِيدُ،
وَلَا سِبَاقَ أُرِيدُ،
وَلَا شَهَادَةً أُقَدِّمُهَا لِلْعَالَمِ
لِيَعْتَرِفَ بِي.

يَكْفِينِي
دُخَانُ الْحَطَبِ،
وَبَابٌ مَفْتُوحٌ عَلَى الْمَحَبَّةِ،
وَفِنْجَانُ قَهْوَةٍ
يُدَفِّئُ يَدَيَّ فِي الصَّبَاحِ.

هَذِهِ حَدِيقَتِي
فِي آخِرِ الطَّرِيقِ،
وَهُنَا،
فِي هَذَا الْمَكَانِ الْهَادِئِ،
أَشْعُرُ أَنِّي أَخِيرًا
حَيْثُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَكُونَ.

أَغْرِسُ بَذْرَةً،
فَأَغْفِرُ جُرْحًا قَدِيمًا،
وَأُرَبِّي شَجَرَةً،
فَأَتَعَلَّمُ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِلْحَيَاةِ.

أَضَعُ يَدَيَّ فِي التُّرَابِ
كَمَا كَانَ جَدِّي يَفْعَلُ،
فَأَجِدُ الصَّبِيَّ
الَّذِي أَضَعْتُهُ فِي الزَّحَامِ،
وَأُصَافِحُهُ
كَأَنَّنِي أَلْتَقِي بِنَفْسِي
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.

وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ الْعُمْرُ بِي
اِكْتَشَفْتُ سِرًّا بَسِيطًا:
لَا أَحْتَاجُ أَنْ يَرَانِي الْعَالَمُ كُلُّهُ،
يَكْفِينِي أَنْ أَرَى نُورِي الدَّاخِلِيَّ.

فَهُنَاكَ ضَوْءٌ
يُقِيمُ فِي هَذِهِ الْجُدْرَانِ،
ضَوْءٌ لَا خُلِقَ لِلتَّاجِ،
وَلَا لِلْجُمُوعِ،
بَلْ لِلْقَلْبِ
الَّذِي نَجَا مِنْ ضَجِيجِ الْمَسَافَاتِ.

أُصْغِي إِلَى أَجْرَاسِ الْكَنِيسَةِ الْبَعِيدَةِ،
وَإِلَى الرِّيحِ وَهِيَ تَمْشِي فِي الْمَمَرَّاتِ،
وَإِلَى الصَّمْتِ
حِينَ يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِي
كَصَدِيقٍ قَدِيمٍ.

وَالآنَ،
إِذَا جَاءَ الْغَدُ فَمَرْحَبًا بِهِ،
وَإِنْ تَأَخَّرَ،
فَلَنْ أُسَاوِمَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ.

فَاللَّيْلَةُ جَمِيلَةٌ بِمَا يَكْفِي،
وَالْوَرْدُ يَصْعَدُ فَوْقَ الْجُدْرَانِ،
وَالْكَرْمُ يَلْمَعُ فِي الضَّوْءِ الْعَنْبَرِيِّ،
وَأَنَا أَجْلِسُ فِي قَلْبِ السَّكِينَةِ،
مُصَالِحًا نَفْسِي،
مُصَالِحًا الزَّمَنَ،
وَأُرَدِّدُ فِي سِرِّي:

مَا ضَاعَ مِنِّي شَيْءٌ،
مَا دُمْتُ قَدْ عُدْتُ
إِلَى الْبَيْتِ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق