السبت، مايو 09، 2026

رَحِيلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدُّكَّالِيِّ يُطْفِئُ قِنْدِيلَ الْحَنِينِ: مرثية من إنجاز عبده حقي


تقديم : 
يرحل الفنانون الكبار تاركين وراءهم فراغاً يشبه الصمت الذي يلي انطفاء الموسيقى. وبرحيل الموسيقار عبدالوهاب الدكالي شعرتُ أن جزءاً دافئاً من الذاكرة المغربية قد غادرنا بصمت مؤلم. هذه القصيدة ليست سوى محاولة شخصية للإنصات إلى ذلك الحزن النبيل الذي يتركه صوت عاش معنا في تفاصيل العمر والحب والحنين. كتبتُها وأنا أستعيد أغانيه التي كانت تمنح لأيامنا معنى أكثر دفئاً، ولقلوبنا شيئاً من الطمأنينة والجمال. إنها تحية وفاء لصوت سيظل يسكن الوجدان المغربي مهما ابتعد صاحبه في الجهات البعيدة من الغياب.

هل راحَ المُغَنّي؟

أم أنّ الصَّوتَ اختبأَ قليلاً

في شقوقِ الغيمْ؟

أم أنّ عبدَالوهاب

تعبَ من حملِ المملكة

فوقَ حبالِ حنجرتِهِ

فجلسَ ليستريحَ

على كتفِ القصيدة؟

كنتُ أظنُّهُ

أقوى من الموتِ...

فالرجلُ الذي كانَ

يُرمِّمُ قلوبَ العشّاقِ

بأغنيةٍ واحدة

لا يمكنُ أن يُهزَمَ

بسهولةِ خبرٍ عاجلْ...

لكنَّ الموتَ ــ يا سيّدتي ــ

منجل أعمى،

يدخلُ البيوتَ بلا موعد،

ويطفئُ آخرَ قنديلٍ

في مقهى الذكرياتْ...

هذا الصباحْ

شعرتُ أنَّ كازابلانكا

أقلُّ زرقةً،

وأنَّ فاسَ

تبكي في سرِّها،

وأنَّ نوافذَ الصويرةِ

تفتحُ أذرعَها للريحِ

كأرملةٍ فقدتْ بحّارَها الأخيرْ...

من سيغنّي الآن

للعاشقاتِ اللواتي

يخبئنَ الرسائلَ

بينَ دفاترِ المدرسة؟

من سيعلّمُ الحبَّ

أن يمشي حافياً

فوقَ بلاطِ القلب؟

كانَ عبدُ الوهابِ الدكالي

آخرَ الرجالِ

الذينَ كانوا يكتبونَ الموسيقى

بمدادِ الياسمينْ...

صوتُهُ الرخيم

لم يكنْ صوتاً فقطْ،

كانَ وطناً صغيراً

يُعلَّقُ على الجدرانِ

مثلَ صورةِ أمٍّ قديمةْ...

وكانَ إذا غنّى

تمشي النساءُ

أكثرَ بطئاً،

ويصيرُ القمرُ

أكثرَ خجلاً،

وتعتذرُ الضوضاءُ

للأغاني...

يا سيّدي الراحلَ

بهدوءِ الأنبياءِ،

ماذا فعلتَ بنا؟

تركتَ كراسيَّ المقاهي

فارغةً،

وتركتَ المذياعَ

يبحثُ عنك

كطفلٍ ضاعَ في الزحامْ...

حتى البحرُ المتوسط

هذا المساءْ

يبدو أقلَّ غناءً،

والنوارسُ

تحومُ حولَ الميناءِ

كأنها تحفظُ

لحنَ الوداعْ...

أتعرفُ؟

لقد كبرنا معكَ

دونَ أن نشعرْ...

كنّا نخبّئُ حبَّنا

داخلَ أغنياتكَ،

ونعلّقُ أحلامَنا

على أوتارِ عودكَ،

ونسرقُ من صوتكَ

بعضَ الدفءِ

لنقاومَ بردَ الحياةْ...

الآنَ فقطْ

فهمتُ معنى

أن يموتَ مغنٍّ كبيرْ...

إنه لا يأخذُ صوتَهُ فقطْ،

بل يأخذُ معهُ

أعمارَنا القديمةْ،

وشوارعَنا الأولى،

والرسائلَ التي كتبناها

ولم نرسلها أبداً...

هل راحَ المغني؟

لا أصدّقْ.. 

ربما غيّرَ مكانَ الحفلِ فقطْ،

وربما يجلسُ الآنَ

في شرفةٍ سماويةْ

ويغنّي للملاكِ

أغنيةً عن المغربْ...

وربما

كلّما فتحَ عاشقٌ

نافذتَهُ ليلاً،

سيخرجُ صوتُ عبدالوهابِ الدكالي

من الياسمينْ

ويقولُ لهُ:

"لا تخفْ...

فالأغاني الجميلةُ

لا تموتْ..."

أصدقائي الأعزاء، يا مَنْ كَبِرْتُمْ مَعَ صَوْتِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدُّكَّالِيِّ فِي لَيَالِي الْحُبِّ وَالْحَنِينِ، نُطْفِئُ الْيَوْمَ شَمْعَةً كَبِيرَةً مِنْ ذَاكِرَتِنَا الْفَنِّيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ. رَحَلَ الرَّجُلُ الَّذِي عَلَّمَنَا أَنَّ الْأُغْنِيَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَحْنٍ، بَلْ قَلْبٌ يَنْبِضُ فِي أَعْمَاقِنَا كُلَّمَا ضَاقَ بِنَا الْعَالَمُ. وَإِذْ أُوَدِّعُكُمْ الْيَوْمَ عَلَى إِيقَاعِ هٰذَا الْحُزْنِ النَّبِيلِ، أَشْعُرُ أَنَّ جِيلًا كَامِلًا يُغْلِقُ نَافِذَتَهُ الْأَخِيرَةَ عَلَى زَمَنٍ كَانَ أَكْثَرَ دِفْئًا وَبَرَاءَةً. سَلَامٌ عَلَى رُوحِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدُّكَّالِيِّ فِي سَمَاءِ الْخُلُودِ، وَسَلَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَهِيَ تُخْفِي دُمُوعَهَا خَلْفَ الْأَغَانِي الْقَدِيمَةِ.

مع تحيات الكاتب المغربي عبده حقي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق