في تخوم التحول الرقمي العميق، لم يعد السرد الأدبي مجرد فعل إنساني خالص ينطلق من ذاكرة الكاتب وتجربته الوجدانية، بل أصبح مجالًا مفتوحًا لتداخل معقّد بين الإنسان والآلة، حيث تتسلل الخوارزميات إلى بنية الحكاية كما تتسلل الجذور إلى التربة بحثًا عن ماء المعنى. إن ما يُعرف اليوم بـ"السرد القائم على البيانات لم يعد مجرد تجربة تقنية، بل تحول إلى أفق جمالي وفلسفي يعيد صياغة العلاقة بين المؤلف والنص والقارئ، ويقترح إعادة تعريف جوهر الإبداع ذاته في عصر تتسارع فيه وتيرة الذكاء الاصطناعي.
لقد مهّد ظهور تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، كما ناقش ذلك الباحث يان لوكان ، لظهور نماذج قادرة على تحليل ملايين النصوص واستخلاص أنماط سردية معقدة، بحيث بات بالإمكان توليد شخصيات وأحداث وفق خوارزميات تتغذى من (البيانات الضخمة). وفي هذا السياق، يمكن اعتبار كتاب (الذكاء الفائق) مرجعًا نظريًا يؤسس لفهم هذا التحول، حيث يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكتفي بمحاكاة الإبداع البشري، بل قد يتجاوزه إلى ابتكار أشكال جديدة من التفكير السردي.
إن الرواية التي تُبنى على (واجهة الدماغ والحاسوب) تمثل قفزة نوعية في هذا المسار، إذ لا تكتفي الخوارزمية فيها بتوليد النص، بل تتدخل مباشرة في وعي الكاتب أو القارئ عبر إشارات عصبية، كما هو الحال في أبحاث شركة نورالانك ، التي أسسها إيلان ماسك ، حيث يتم استكشاف إمكانات الربط المباشر بين الدماغ والآلة. في هذا النموذج، تصبح الرواية فضاءً تفاعليًا تُكتب فيه الأحداث بالتوازي مع نشاط الدماغ، وكأن السرد ينبثق من الداخل دون وسيط لغوي تقليدي.
هذا التحول يثير أسئلة أخلاقية عميقة، تتعلق بملكية النص وحدود الحرية الإبداعية. فإذا كانت الخوارزمية تقترح مسارات سردية بناءً على بيانات سابقة، فإلى أي حد يمكن اعتبار النص "أصيلاً"؟ وهل يصبح الكاتب مجرد "محرر" لاقتراحات آلية؟ هنا نستحضر أطروحات رولان بارت في كتابه ميثولوجيات، حيث أعلن "موت المؤلف" لصالح تعددية القراءة، غير أن الواقع الجديد يبدو أكثر تعقيدًا، إذ لا يموت المؤلف فقط، بل يُعاد تشكيله داخل منظومة خوارزمية.
من الناحية الجمالية، تفتح هذه الروايات أفقًا غير مسبوق لتجربة القراءة، إذ يمكن للقارئ أن يؤثر في مجرى الأحداث عبر تفاعله العصبي، مما يحوّل النص إلى كيان حيّ يتغير باستمرار. يشبه هذا التحول ما وصفه هينري جانكيس في كتابه (ثقافة التقارب) من تداخل الوسائط وتفاعلها، لكننا هنا أمام مستوى أعمق، حيث يتداخل الجسد البيولوجي مع النص الرقمي.
غير أن هذا الانبهار بالتقنية لا يخلو من مخاطر، إذ يمكن أن يؤدي إلى تآكل الحس النقدي لدى القارئ، الذي قد يصبح مستهلكًا لتجارب مُصمّمة مسبقًا وفق خوارزميات تسعى إلى تعظيم التفاعل لا إلى تعميق المعنى. وقد حذّر شوشانا زوبوف في كتابها (عصر رأسمالية المراقبة) من أن البيانات قد تتحول إلى أداة للهيمنة، وهو ما ينطبق أيضًا على السرد، حيث يمكن توجيه الذوق الأدبي وفق معايير خفية.
إن رواية "واجهة الدماغ والحاسوب" لا تمثل مجرد تجربة تقنية، بل هي مختبر فلسفي يعيد طرح السؤال القديم حول ماهية الإنسان. فإذا كان السرد هو إحدى الطرق التي يفهم بها الإنسان ذاته والعالم، فإن إدخال الخوارزميات في هذا الفعل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الوعي نفسه. هنا يتقاطع الأدب مع علم الأعصاب، كما يظهر في أبحاث ، حيث يُنظر إلى الدماغ ليس فقط كأداة للإدراك، بل كمنتج للسرد.
إن هذا التداخل بين البيانات والوعي يشبه مرآة مزدوجة تعكس الإنسان والآلة في آن واحد، بحيث يصبح النص فضاءً للتفاوض بين الحدس البشري والمنطق الخوارزمي. وربما يكون التحدي الأكبر في هذا السياق هو الحفاظ على "الشرارة الإنسانية" التي تمنح السرد عمقه الوجودي، في عالم يزداد فيه الاعتماد على الحسابات الرقمية.
في النهاية، يمكن القول إن السرد القائم على البيانات وروايات واجهة الدماغ والحاسوب يمثلان مرحلة انتقالية في تاريخ الأدب، مرحلة تتسم بالهشاشة والاحتمال، حيث تتداخل الحدود بين الكاتب والقارئ والآلة. وكما أن الطباعة غيّرت شكل الكتابة في القرن الخامس عشر، فإن الخوارزميات قد تعيد تشكيل الأدب في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط من حيث الشكل، بل من حيث الجوهر أيضًا. إننا أمام لحظة تاريخية تُكتب فيها الحكاية بأصابع غير مرئية، وتُقرأ بعقول متصلة بشبكات لا نهائية، حيث يصبح السؤال ليس عن مستقبل الأدب فحسب، بل عن مستقبل الإنسان ذاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق