الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مارس 24، 2026

خرائط الربيع الثقافي من الرباط إلى بروكسيل: إعداد عبده حقي

 


أجل الربيع الثقافي و زمنٌ تتفتح فيه المدن على ذاكرتها، وتعيد ترتيب أصواتها بين المسرح واللوحة والكتاب والموسيقى. في هذا الامتداد الممتد من الرباط إلى بروكسيل، مرورًا بأبوظبي وباريس، لا تبدو الأجندات الثقافية مجرد تواريخ مُعلّقة على جدران المؤسسات، بل أشبه بخرائط سرية لنبض العالم، حيث تتجاور السياسة بالخيال، ويتقاطع المحلي بالكوني، وتتحول الثقافة إلى لغة ثانية لفهم الذات في زمن التحولات الكبرى.

في المغرب، يتخذ هذا الربيع ملامح مزدوجة: حميمية القرب، واتساع الأفق. في تطوان، حيث البحر يكتب نصوصه الزرقاء على حواف المدينة، يفتح المعهد الفرنسي أبوابه لبرمجة تمتد بين مارس وأبريل، تجمع بين معارض تستنطق تحولات الشباب المغربي، ولقاءات فكرية وعروض فنية تتسلل بهدوء إلى وجدان المدينة. هنا، لا يُعرض الفن فقط، بل يُختبر أيضًا كأداة لفهم التحولات الاجتماعية، وكمرآة تعكس ارتباك الأجيال الجديدة بين الحلم والواقع.

أما في مكناس، المدينة التي تحفظ في جدرانها صدى السلاطين، فإن الثقافة تعود لتُعلن عن حضورها عبر معارض تشكيلية تمتح من الذاكرة والعودة، وعبر تجارب تجمع السينما بألعاب الفيديو، في محاولة ذكية لكسر الحدود التقليدية بين الفنون. هذه التجارب ليست ترفًا، بل تعبير عن وعي جديد بأن الثقافة لم تعد حبيسة القاعات المغلقة، بل أصبحت شبكة تفاعلية تتغذى من التكنولوجيا ومن تحولات الذائقة الجماعية.

وفي الرباط، حيث تتقاطع السلطة بالرمز، يواصل مسرح محمد الخامس أداء دوره بوصفه فضاءً لتجديد العلاقة بين الجمهور والفن، عبر معارض سنوية وعروض متجددة. غير أن اللافت في المشهد المغربي ليس فقط هذه البرمجة اليومية، بل ذلك الامتداد نحو المهرجانات الكبرى التي تُعلن عن نفسها مبكرًا، مثل مهرجان كناوة بالصويرة وجازابلانكا بالدار البيضاء. هنا، تتحول الثقافة إلى قوة جذب، لا فقط للجمهور المحلي، بل أيضًا للسياحة الثقافية، ولصورة المغرب كفضاء مفتوح على العالم.

غير أن هذا الربيع المغربي، بكل زخمه، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل العالم العربي. ففي أبوظبي، تبدو الثقافة وكأنها مشروع استراتيجي طويل النفس، حيث تتحول المهرجانات إلى منصات عالمية تستقطب كبار الفنانين، وتعيد رسم خريطة التبادل الثقافي. عروض موسيقية عالمية، وباليهات، وورشات تكوينية، كلها تتجاور في برنامج واحد، كأن المدينة تحاول أن تقول إن الثقافة لم تعد مجرد ترف، بل استثمار في المستقبل، وفي صورة الدولة نفسها.

وفي الدوحة، يتخذ هذا الاستثمار شكلًا مختلفًا، أكثر هدوءًا وربما أكثر عمقًا. هنا، تتحول المكتبة إلى فضاء حي، لا فقط لحفظ الكتب، بل لإنتاج المعرفة، ولتنظيم لقاءات وورشات تُعيد الاعتبار لفعل القراءة ولثقافة النقاش. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الثقافة ليست فقط عرضًا فنّيًا، بل أيضًا بناء للوعي، وتشكيل للمواطن القادر على التفكير النقدي.

لكن المفارقة الجميلة في هذه الخريطة الثقافية تظهر بوضوح في باريس، داخل معهد العالم العربي، حيث تلتقي الجغرافيا العربية بذاكرة أوروبا. هنا، تُعرض سينمات المغرب العربي والشرق الأوسط، وتُفتتح معارض تستعيد تاريخ مدن عريقة مثل جبيل، وتُنظم لقاءات فكرية حول الجسد والحركة في شمال إفريقيا. في هذا الفضاء، لا تعود الثقافة مجرد تعبير عن هوية، بل تصبح حوارًا بين الهويات، ومختبرًا لإعادة كتابة التاريخ من زوايا متعددة.

أما في بروكسيل، قلب الاتحاد الأوروبي، فإن الثقافة تتخذ بعدًا آخر، أكثر مؤسساتية وربما أكثر ارتباطًا بالسياسات العامة. في قصر الفنون، تتجاور الحفلات الموسيقية مع المعارض البصرية، في حين تُنظم الجولات والأنشطة بطريقة تجعل الجمهور جزءًا من التجربة، لا مجرد متفرج عليها. وفي خلفية هذا المشهد، تتحرك برامج أوروبية كبرى، مثل أسبوع الشباب الأوروبي ومهرجان الباوهاوس الجديد، لتؤكد أن الثقافة في أوروبا ليست فقط شأنًا فنّيًا، بل أيضًا أداة لبناء المواطنة، وتعزيز القيم المشتركة.

وإذا تأملنا هذه الخريطة الممتدة، سنكتشف أن ما يجمع بين الرباط وأبوظبي وباريس وبروكسيل ليس فقط تعدد الفعاليات، بل تحوّل الثقافة إلى لغة عالمية مشتركة، رغم اختلاف السياقات. في المغرب، تُستخدم الثقافة لتعزيز الهوية والانفتاح؛ في الخليج، تُستثمر لبناء صورة دولية حديثة؛ في أوروبا، تُوظف لترسيخ قيم المواطنة والتعدد. وبين هذه الاستعمالات المختلفة، تبقى الثقافة هي الخيط الرفيع الذي يربط الإنسان بذاته وبالآخر.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الربيع الثقافي هو: هل تكفي هذه الأجندات لصناعة تحول حقيقي؟ أم أنها تظل مجرد مواسم عابرة، تشتعل ثم تنطفئ؟ الجواب، ربما، يكمن في قدرة هذه الفعاليات على تجاوز منطق العرض إلى منطق التأثير، وعلى الانتقال من حدث مؤقت إلى دينامية مستدامة.

ذلك أن الثقافة، في جوهرها، ليست ما يُعرض على المنصات، بل ما يبقى في الذاكرة بعد انطفاء الأضواء. هي تلك اللحظة التي يخرج فيها المتفرج من القاعة وهو يحمل سؤالًا جديدًا، أو شكًا صغيرًا، أو رغبة في إعادة التفكير في العالم. وإذا استطاعت هذه الأجندات أن تُنتج هذا الأثر، فإنها تكون قد نجحت في مهمتها الأعمق.

هكذا، يبدو ربيع 2026 ليس مجرد موسم ثقافي، بل لحظة اختبار حقيقية لدور الثقافة في زمن تتسارع فيه التحولات. من الرباط إلى بروكسيل، ومن تطوان إلى أبوظبي، تتشكل خريطة جديدة، لا ترسمها الحدود السياسية، بل ترسمها العروض والمعارض والأصوات التي تعبر القارات. خريطة تقول، بهدوء، إن الثقافة ما تزال قادرة على أن تكون ملاذًا، وربما أيضًا طريقًا نحو فهم أكثر إنسانية لهذا العالم المتغير.



0 التعليقات: