أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ وَالْمُتَابِعِينَ، أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْكَاتِبِ الْمَغْرِبِيِّ عَبْدَهُ حَقِّي، حَيْثُ نَفْتَحُ الْيَوْمَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْمَقِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كُتِبَتْ عَنْ الْإِنْسَانِ وَالْحُبِّ وَالْمَصِيرِ، وَهِيَ رِوَايَةُ آنا كارينينا لِلْكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الْعَظِيمِ لِيو تُولْسْتُوي، الَّتِي نُشِرَتْ بَيْنَ سَنَتَي 1875 وَ1877، وَمَا زَالَتْ إِلَى الْيَوْمِ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْتَجَهُ الْخَيَالُ الرِّوَائِيُّ فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ.
يُعَدُّ لِيو تُولْسْتُوي مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الْأَدَبِ الرُّوسِيِّ وَالْعَالَمِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ رِوَايَتَي الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ وَآنا كارينينا، اللَّتَيْنِ جَعَلَتَاهُ مِنْ أَعْظَمِ الرُّوَائِيِّينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَكْتُبْ قِصَّةَ حُبٍّ فَقَطْ، بَلْ كَتَبَ تَشْرِيحًا دَقِيقًا لِلرُّوحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِلصِّرَاعِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالْوَاجِبِ، وَبَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَقُيُودِ الْمُجْتَمَعِ.
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِجُمْلَتِهَا الشَّهِيرَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مِنْ أَكْثَرِ الِافْتِتَاحِيَّاتِ خُلُودًا فِي الْأَدَبِ: «كُلُّ الْعَائِلَاتِ السَّعِيدَةِ مُتَشَابِهَةٌ، أَمَّا الْعَائِلَاتُ التَّعِيسَةُ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَعِيسَةٌ عَلَى طَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ».
تَدُورُ الْأَحْدَاثُ حَوْلَ آنا، السَّيِّدَةِ الْأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنْ رَجُلِ دَوْلَةٍ مَرْمُوقٍ يُدْعَى كارِينِين، وَالَّتِي تَلْتَقِي بِالضَّابِطِ الشَّابِّ فْرُونْسْكِي فَيَنْدَلِعُ بَيْنَهُمَا حُبٌّ جَارِفٌ يَهُزُّ حَيَاتَهَا مِنْ أَعْمَاقِهَا. وَمَعَ تَصَاعُدِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ تَجِدُ نَفْسَهَا فِي مُوَاجَهَةٍ قَاسِيَةٍ مَعَ مُجْتَمَعٍ لَا يَغْفِرُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَتَسَامَحُ فِيهِ مَعَ الرَّجُلِ. وَتَتَحَوَّلُ قِصَّةُ الْحُبِّ إِلَى رِحْلَةٍ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْقَلَقِ وَالْغَيْرَةِ وَالِانْهِيَارِ النَّفْسِيِّ. وَبِمُوَازَاةِ ذَلِكَ نُتَابِعُ قِصَّةَ لِيفِين، الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَعْنَى الْحَيَاةِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْعَالَمِ الْمُتَغَيِّرِ.
كَتَبَ تُولْسْتُوي هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي فَتْرَةٍ كَانَتْ فِيهَا رُوسِيَا تَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ عَمِيقَةً بَعْدَ الْإِصْلَاحَاتِ الَّتِي أَطْلَقَهَا الْقَيْصَرُ أَلِكْسَنْدَرُ الثَّانِي، مِنْ تَحْرِيرِ الْأَقْنَانِ إِلَى تَغَيُّرِ الْبِنْيَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَظُهُورِ أَفْكَارٍ لِيبْرَالِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. وَقَدْ عَكَسَتِ الرِّوَايَةُ هَذِهِ التَّحَوُّلَاتِ مِنْ خِلَالِ صِرَاعِ الْقِيَمِ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَدَاثَةِ، وَبَيْنَ الْأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالْعَالَمِ الْجَدِيدِ.
وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُوَ: لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً؟
الْجَوَابُ يَكْمُنُ فِي أَنَّهَا لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ عَنِ الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ زَمَانٍ. فَالْحُبُّ، وَالْخِيَانَةُ، وَالْغَيْرَةُ، وَالْوَحْدَةُ، وَالْبَحْثُ عَنْ الْمَعْنَى، كُلُّهَا أَسْئِلَةٌ مَا زَالَ الْإِنْسَانُ يَحْمِلُهَا إِلَى الْيَوْمِ. كَمَا أَنَّ عُمْقَ الشَّخْصِيَّاتِ وَدِقَّةَ تَحْلِيلِهَا النَّفْسِيِّ جَعَلَا مِنْ آنا وَفْرُونْسْكِي وَلِيفِين شَخْصِيَّاتٍ حَيَّةً تَتَنَفَّسُ خَارِجَ صَفَحَاتِ الْكِتَابِ.
لَقَدْ تَرَكَتْ آنا كارينينا أَثَرًا هَائِلًا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينِمَا وَالْمَسْرَحِ وَالْفَلْسَفَةِ. فَقَدْ أُلْهِمَتْ مِنْهَا عَشَرَاتُ الْأَفْلَامِ وَالْعُرُوضِ الْمَسْرَحِيَّةِ وَالدِّرَاسَاتِ النَّقْدِيَّةِ، وَظَلَّتْ تُقْرَأُ وَتُعَادُ قِرَاءَتُهَا فِي مُخْتَلَفِ الثَّقَافَاتِ، لِأَنَّهَا تَمَسُّ جَوْهَرَ الْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ وَتَكْشِفُ الْهَوَّةَ بَيْنَ مَا نُرِيدُهُ وَمَا يَفْرِضُهُ عَلَيْنَا الْوَاقِعُ.
أَمَّا الِاقْتِبَاسُ الَّذِي أَرَاهُ مِنْ أَشْهَرِ مَا خَلَّدَتْهُ الرِّوَايَةُ فَهُوَ:
«كُلُّ الْعَائِلَاتِ السَّعِيدَةِ مُتَشَابِهَةٌ، أَمَّا كُلُّ عَائِلَةٍ تَعِيسَةٍ فَهِيَ تَعِيسَةٌ عَلَى طَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ».
وَإِذَا سَأَلْتُمُونِي عَنْ رَأْيِي الشَّخْصِيِّ كَكَاتِبٍ، فَإِنَّنِي أَرَى فِي آنا كارينينا مِرْآةً هَائِلَةً لِضَعْفِ الْإِنْسَانِ وَعَظَمَتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. هِيَ لَيْسَتْ حِكَايَةَ امْرَأَةٍ أَحَبَّتْ رَجُلًا خَاطِئًا فَقَطْ، بَلْ حِكَايَةُ إِنْسَانٍ حَاوَلَ أَنْ يَعِيشَ حَقِيقَتَهُ فِي عَالَمٍ يُعَاقِبُ الْحَقِيقَةَ أَحْيَانًا. وَكُلَّمَا عُدْتُ إِلَيْهَا أَكْتَشِفُ فِيهَا طَبَقَاتٍ جَدِيدَةً مِنَ الْمَعَانِي، كَأَنَّهَا رِوَايَةٌ تُكْتَبُ مِنْ جَدِيدٍ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ.
أَشْكُرُكُمْ أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ عَلَى حُسْنِ الْإِنْصَاتِ وَالْمُتَابَعَةِ. وَأَدْعُوكُمْ إِلَى مُوَافَاتِنَا فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ مِنْ بُودْكَاسْتِ خَيْرُ جَلِيسٍ، حَيْثُ سَنُسَافِرُ مَعًا إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ خَالِدَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ أَسْرَارَهَا وَأَصْوَاتَهَا الَّتِي مَا زَالَتْ تُحَدِّثُنَا عَبْرَ الزَّمَنِ.
إِلَى اللِّقَاءِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق