الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 10، 2026

الرباطُ تنثرُ ضوءَ الكتابِ فوقَ عتمةِ الشاشات: إعداد عبده حقي


بدا المشهد الثقافي والفني العربي والمغربي 
 في الأسبوع الماضي أشبه بورشة كبرى لإعادة ترميم المعنى وسط عالم يتسارع نحو الاستهلاك الرقمي البارد. فبين أروقة المعارض الدولية للكتاب، وقاعات المسرح، ومنصات الموسيقى، وفضاءات الفن المعاصر، كان ثمة إصرار واضح على أن الثقافة ليست ترفا موسميا، بل شكلا من أشكال المقاومة الرمزية ضد العزلة والتفاهة. وقد بدا المغرب خلال الأيام الأخيرة واحدا من أكثر البلدان العربية حيوية في هذا المجال، خصوصا مع استمرار أصداء اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، وهو حدث لم يعد مجرد لقب بروتوكولي، بل تحوّل إلى مشروع ثقافي مفتوح على النقاش العمومي وعلى إعادة الاعتبار للكتاب والفنون والمعرفة.

في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، الذي شهد مشاركة مئات دور النشر من عشرات البلدان، لم يكن الزوار يتجولون فقط بين رفوف الكتب، بل كانوا يعبرون داخل خريطة رمزية للقلق العربي المعاصر. فقد برزت هذه الدورة كفضاء للأسئلة الكبرى المتعلقة بحرية التعبير، ومستقبل القراءة، وعلاقة الذكاء الاصطناعي بالكتابة، إضافة إلى التحولات التي يعرفها الأدب المغربي الجديد. ووسط هذه الحيوية، لفتتني الندوات التي أعادت الاعتبار للكتاب بوصفه أداة للوساطة الثقافية في زمن الفيديوهات القصيرة والمنصات السريعة.

ومن بين اللحظات اللافتة داخل المعرض، تلك الندوة التي شارك فيها الفنان الكوميدي المغربي حسن الفد حول مفهوم الكوميديا بوصفها خطابا نقديا وليس مجرد تهريج. فقد حاول حسن الفد تفكيك مشروعه الفني أمام الأكاديميين والنقاد، مؤكدا أن الضحك الحقيقي هو الذي يكشف هشاشة المجتمع ويعري تناقضاته. ولم يكن الأمر مجرد لقاء عابر مع فنان مشهور، بل بدا كأنه اعتراف متأخر بقيمة الفكاهة الذكية داخل الثقافة المغربية المعاصرة.

أما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية فقد اختارت أن تجعل من القناة الثقافية منصة للنقاش حول دور الإعلام العمومي في صناعة التلقي الأدبي. وقد أعاد هذا النقاش طرح سؤال قديم جديد: هل ما تزال الثقافة قادرة على جذب الجمهور الواسع دون أن تسقط في التبسيط الشعبوي؟ بدا واضحا أن الرهان اليوم لم يعد فقط إنتاج محتوى ثقافي، بل إنتاج جمهور قادر على الإنصات والتأويل.

وفي الجنوب المغربي، تحديدا بمدينة قلعة مكونة، تحوّل المعرض الدولي للورد العطري إلى احتفال مزدوج بالطبيعة والجمال والاقتصاد الثقافي. لم يعد الورد هناك مجرد منتج فلاحي أو مادة للعطور، بل صار جزءا من الهوية البصرية والرمزية للمنطقة. وقد استوقفتني الطريقة التي امتزجت بها الفنون الشعبية بالموسيقى المحلية والصناعات التقليدية في فضاء واحد، وكأن المغرب يعلن مرة أخرى أن الثقافة ليست منفصلة عن الحياة اليومية، بل هي امتداد لها.

وفي طنجة أيضا اختتم مهرجان الربيع المحلي فعالياته وسط حضور فني وموسيقي متنوع، حيث بدا واضحا أن المدينة تستعيد تدريجيا دورها كمختبر مفتوح للفنون الجديدة والتجارب الشبابية. هذا النوع من المهرجانات المحلية الصغيرة يظل أكثر صدقا أحيانا من التظاهرات الكبرى، لأنه ينطلق من المجتمع نفسه لا من الرغبة في صناعة واجهة سياحية مؤقتة.

خارج المغرب، كان Institut du monde arabe في باريس يواصل لعب دوره كجسر ثقافي بين الضفتين العربية والأوروبية. فقد احتضن خلال الأسبوع الماضي حفلا موسيقيا استثنائيا دعما للبنان، في لحظة بدا فيها الفن العربي وكأنه يحاول إنقاذ ما تبقى من المعنى وسط الخراب السياسي والحروب والانقسامات. الموسيقى هنا لم تكن مجرد فرجة، بل شكلت نوعا من التضامن الرمزي العابر للحدود.

كما أعلن المعهد نفسه عن معرض جديد حول التراث الأثري الليبي، وهو حدث يتجاوز البعد المتحفي التقليدي ليعيد التذكير بأن الثقافة العربية ليست فقط أدبا وشعرا وموسيقى، بل أيضا حضارات قديمة مهددة بالنسيان والحروب والنهب. إن إعادة عرض الذاكرة الليبية داخل باريس يحمل دلالة سياسية وثقافية عميقة، خصوصا في زمن تتحول فيه بعض البلدان العربية إلى مجرد عناوين للأزمات الأمنية.

وفي فرنسا أيضا، استمرت الصحافة الثقافية في تخصيص مساحات واسعة للمعارض الفنية الجديدة، حيث تحدثت جريدة Le Monde عن موجة من المعارض التي تعيد مساءلة العلاقة بين الفن والمدينة والذاكرة المعمارية. اللافت أن الثقافة الأوروبية نفسها أصبحت تبحث عن خلاصها عبر العودة إلى الفن البطيء والتجارب التأملية، بعد سنوات من الاستهلاك البصري السريع الذي فرضته المنصات الرقمية.

أما في مصر، فقد أطلقت الهيئة العامة لقصور الثقافة برنامجا أسبوعيا حافلا بالعروض المسرحية والورشات الفنية والأنشطة الأدبية، في محاولة لإعادة الحياة إلى الثقافة المحلية خارج المركزية القاهرية. هذا النوع من المشاريع يذكرنا بأن الثقافة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المهرجانات الدولية، بل بقدرتها على الوصول إلى المدن الصغيرة والأحياء الشعبية والهوامش المنسية.

ومن اللافت أيضا أن النقاش الثقافي العربي بات يتقاطع بشكل متزايد مع أسئلة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية. فالكثير من الندوات والمقالات الجديدة أصبحت تتحدث عن مستقبل الكتابة في عصر الخوارزميات، وعن علاقة الإنسان العربي بالشاشات والمنصات والتطبيقات الذكية. لقد صار المثقف العربي يعيش اليوم داخل مفارقة معقدة: فهو يخشى اختفاء الكتاب الورقي، لكنه في الوقت نفسه يكتب نصوصه على شاشة مضيئة ويبحث عن جمهوره عبر المنصات الرقمية.

ما تكشفه حصيلة هذا الأسبوع الثقافي والفني هو أن العالم العربي، رغم كل أزماته السياسية والاقتصادية، ما يزال قادرا على إنتاج الجمال والأسئلة والخيال. وربما لهذا السبب تبدو الثقافة اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها آخر ما تبقى لنا من القدرة على الحلم الجماعي، وعلى مقاومة التصحر الروحي الذي يهدد الإنسان المعاصر.

للاطلاع على بعض الأنشطة والبرامج الثقافية الواردة في هذا المقال:


0 التعليقات: