الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 22، 2026

سلطات الجزائر تحول قميص المنتخب المغربي إلى تهمة سياسية: عبده حقي

 


يكشف هذا النص عن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث تحوّل مجرد ارتداء قميص المنتخب المغربي إلى ذريعة للملاحقة الأمنية والسجن، في مشهد يعكس حجم التوتر السياسي الذي صنعه النظام العسكري الجزائري مع كل ما يمت بصلة إلى المغرب. وتُظهر هذه القضية، بحسب الروايات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي وشهادات ناشطين جزائريين، كيف أصبحت السلطة في الجزائر تتعامل مع الرموز الرياضية والثقافية بعقلية أمنية مغلقة، ترى في أي تعبير عن التقارب الإنساني أو الشعبي مع المغرب تهديداً سياسياً يستوجب القمع.

تعود تفاصيل القضية إلى الشاب الجزائري “ليرنين”، البالغ من العمر 22 سنة والمنحدر من منطقة بني دوالة بتيزي وزو، والذي قيل إنه تعرّض للاعتقال ثم الحبس بعد ظهوره مرتدياً قميص المنتخب المغربي خلال مباراة لكرة القدم جمعت فريق شبيبة القبائل بأحد الأندية الجزائرية في ملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو، خلال فترة كأس إفريقيا للأمم 2025 التي احتضنها المغرب. وقد انتشرت صوره بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط موجة تضامن كبيرة اعتبرت أن ما تعرض له يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية التعبير وللحقوق الفردية.

ورغم الانتشار الكبير للقضية على المنصات الرقمية، فإن وسائل الإعلام الجزائرية التزمت صمتاً شبه كامل، في مؤشر جديد على طبيعة الرقابة غير المعلنة التي تفرضها السلطة العسكرية على الإعلام المحلي. فحين يتعلق الأمر بملف يمكن أن يحرج النظام أو يكشف هشاشة خطابه العدائي تجاه المغرب، يصبح التعتيم الإعلامي هو الخيار الأول. وقد حاولت بعض الأصوات الموالية للنظام تقديم القضية باعتبارها “أخباراً زائفة” أو “دعاية مغربية”، غير أن أول من تحدث عنها كانت الناشطة الجزائرية المعارضة “موة شبالا”، زوجة المعارض السياسي المعروف فتحي غراس، وهي شخصية جزائرية معروفة بمواقفها المعارضة للنظام العسكري وبمعاناتها المتكررة من الملاحقات القضائية.

وتبرز هذه القضية مدى التناقض داخل الخطاب الرسمي الجزائري. ففي الوقت الذي يرتدي فيه آلاف الشباب الجزائريين قمصان منتخبات البرازيل والأرجنتين وألمانيا وإنجلترا وغيرها دون أي مشكلة، يصبح ارتداء قميص المنتخب المغربي فعلاً “مشبوهاً” يستدعي الاستنطاق والاعتقال. وهو ما يكشف أن المشكلة ليست رياضية، بل سياسية بامتياز، مرتبطة بالعقيدة العدائية التي زرعها النظام العسكري تجاه المغرب منذ سنوات طويلة، وجعل منها أداة لتعبئة الرأي العام الداخلي وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة داخل البلاد.

وتوضح الروايات المتداولة أن الشاب المعتقل ليست له أي علاقة بتنظيمات انفصالية أو بحركات سياسية محظورة، كما لم يثبت انتماؤه إلى حركة “الماك” التي تصنفها السلطات الجزائرية تنظيماً إرهابياً. بل إن كل المؤشرات تفيد بأنه أراد فقط التعبير عن أجواء الأخوة التي سادت في بداية كأس إفريقيا، حين استقبل المغاربة الجماهير الجزائرية بحفاوة كبيرة، في لحظة بدت وكأنها فرصة نادرة لإعادة بناء الجسور بين الشعبين. غير أن السلطة الجزائرية، التي ترى في أي تقارب شعبي مع المغرب خطراً على سرديتها السياسية، سارعت إلى تحويل تلك المبادرات الإنسانية إلى شبهات أمنية.

إن ما حدث يعكس بوضوح كيف نجح النظام العسكري في الجزائر في تحويل كرة القدم إلى أداة تعبئة سياسية، بل إلى وسيلة لتغذية الكراهية بين الشعبين. فبدل أن تكون الرياضة فضاءً للتقارب والتسامح، أصبحت في ظل الخطاب الرسمي الجزائري ساحة للصراع الإيديولوجي والتحريض الإعلامي. وقد ساهمت الحملات الدعائية والتضليل المنتشر عبر بعض المنابر المقربة من السلطة في تأجيج المشاعر العدائية، خصوصاً بعد خروج المنتخب الجزائري من البطولة، حيث انتشرت نظريات المؤامرة وخطابات التخوين بشكل واسع.

وتكشف هذه القضية أيضاً عن حالة الخوف التي يعيشها المواطن الجزائري. فبحسب شهادات متعددة، رفضت عائلة الشاب الحديث للإعلام أو الإدلاء بأي تصريح خوفاً من الانتقام أو التضييق الأمني. وهذا المناخ من الرعب يعكس طبيعة الحكم العسكري الذي يفرض الصمت بالقوة، ويجعل المواطنين يتجنبون مجرد التعبير عن آرائهم أو مشاعرهم تجاه قضايا حساسة. فحين يصبح ارتداء قميص رياضي سبباً في الخوف من السجن، فإن الأمر يتجاوز حادثة فردية ليصبح مؤشراً على أزمة عميقة في بنية النظام السياسي نفسه.

إن انتقاد النظام العسكري الجزائري في هذه القضية لا يتعلق فقط بالدفاع عن شاب اعتُقل بسبب قميص كرة قدم، بل يتعلق بالدفاع عن حق الجزائريين في التفكير بحرية، وفي التعبير عن مشاعرهم دون خوف من التهم الجاهزة أو التخوين. فالدولة التي تخشى قميصاً رياضياً هي دولة تعاني أزمة ثقة حقيقية مع شعبها، وتدرك في قرارة نفسها أن خطابها القائم على صناعة العدو الخارجي لم يعد يقنع الأجيال الجديدة.

لقد أظهرت هذه الحادثة أن كثيراً من الشباب الجزائري سئموا من منطق العداء الدائم مع المغرب، ويريدون مستقبلاً قائماً على التعاون والانفتاح والتنمية بدل الكراهية والصراعات المفتعلة. غير أن النظام العسكري، الذي يستفيد من استمرار التوتر الإقليمي، لا يزال يصر على تغذية الانقسامات وتوظيفها سياسياً. وهكذا يتحول شاب في مقتبل العمر إلى ضحية جديدة لعقلية أمنية ترى في التقارب المغاربي خطراً، وفي الحرية تهديداً، وفي الرياضة مؤامرة سياسية.


0 التعليقات: