الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 07، 2026

الموسيقى تعيد رسم خرائط العالم من الصويرة إلى نيويورك: إعداد عبده حقي


في عالم يزداد ضجيجاً بالأزمات السياسية والاقتصادية والحروب والصراعات الجيوسياسية، تواصل الموسيقى أداء دورها القديم والجديد في آن واحد؛ فهي ليست مجرد ترفيه عابر أو صناعة ثقافية ضخمة تدر المليارات، بل أصبحت أيضاً لغة كونية قادرة على ترميم ما تهدمه السياسة، وإقامة جسور التواصل بين الشعوب حين تفشل الدبلوماسية في ذلك. وخلال الأسبوع الماضي، بدت الساحة الموسيقية العالمية وكأنها تعيد ترتيب أوراقها استعداداً لصيف فني واعد، حيث تداخلت أخبار المهرجانات الكبرى مع الإصدارات الجديدة، وصعدت أسماء شابة إلى الواجهة، فيما استمرت أسماء أخرى في تأكيد حضورها داخل المشهد الموسيقي الدولي.

في المغرب، كان الحديث الموسيقي الأبرز منصباً على الاستعدادات المكثفة للدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم بمدينة الصويرة. ولم يعد هذا المهرجان مجرد موعد سنوي لعشاق موسيقى كناوة، بل تحول خلال العقود الأخيرة إلى ظاهرة ثقافية عالمية تستقطب فنانين من مختلف القارات. ولعل سر نجاحه يكمن في قدرته الفريدة على المزج بين الجذور الإفريقية العميقة لموسيقى كناوة وبين الأنماط الموسيقية العالمية الحديثة. فالصويرة، التي كانت ذات يوم مدينة هادئة على الساحل الأطلسي، أصبحت بفضل هذا المهرجان منصة عالمية للحوار الموسيقي والثقافي، حيث تلتقي التقاليد بالحداثة، ويلتقي الفنانون القادمون من خلفيات متباينة حول لغة واحدة هي لغة الإيقاع.

وفي السياق نفسه، استمر مهرجان موازين إيقاعات العالم في إثارة اهتمام المتابعين مع توالي الإعلانات الخاصة ببرمجته الفنية. وقد استأثر خبر مشاركة مغني الراب المغربي ديزي دروس باهتمام واسع، خاصة بعد النجاح الذي حققه ألبومه الجديد. ويعكس هذا الحضور المتزايد لفن الراب داخل التظاهرات الكبرى التحولات العميقة التي شهدتها الذائقة الموسيقية المغربية خلال العقدين الأخيرين. فالراب الذي كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره فناً هامشياً أو موجهاً لفئة محدودة من الشباب، أصبح اليوم أحد أكثر الألوان الموسيقية تأثيراً في التعبير عن قضايا المجتمع وتطلعات الأجيال الجديدة.

أما في العالم العربي، فقد واصلت القاهرة أداء دورها التاريخي باعتبارها إحدى أهم العواصم الموسيقية في المنطقة. فقد شهد الأسبوع الماضي سلسلة من الحفلات والعروض الموسيقية التي جمعت بين التجارب التقليدية والاتجاهات الحديثة. ويبدو أن المشهد الموسيقي العربي يعيش اليوم مرحلة دقيقة من إعادة تعريف الذات، حيث يسعى الفنانون الشباب إلى التحرر من القوالب الكلاسيكية دون التفريط في الموروث الموسيقي العربي الذي شكل عبر عقود طويلة جزءاً من الهوية الثقافية للمنطقة. وبين الأغنية الطربية والموسيقى البديلة والإنتاجات المستقلة، تتشكل ملامح جيل عربي جديد يبحث عن صوته الخاص وسط عالم سريع التحول.

وفي القارة الإفريقية، برزت أخبار تؤكد استمرار الصعود القوي للموسيقى الإفريقية على الساحة الدولية. فقد حظي الفنان الجنوب إفريقي الشاب إنترنت آثي باهتمام خاص بعد اختياره ضمن برنامج عالمي لدعم المواهب الصاعدة. ويعكس هذا الاختيار المكانة المتنامية التي أصبحت تحتلها الموسيقى الإفريقية داخل الأسواق العالمية. فمنذ سنوات، لم تعد إفريقيا مجرد مصدر للإيقاعات التقليدية التي يستلهم منها الفنانون الغربيون أعمالهم، بل أصبحت قوة إبداعية قائمة بذاتها تفرض حضورها في مختلف المنصات الرقمية وشركات الإنتاج الكبرى.

وتؤكد النجاحات المتواصلة لفناني الأفروبيت والأنماط الموسيقية الهجينة القادمة من نيجيريا وجنوب إفريقيا وغانا أن القارة السمراء أصبحت أحد أهم مختبرات التجديد الموسيقي في العالم. فهناك جيل جديد من الموسيقيين الأفارقة يجمع بين الأصالة المحلية والتكنولوجيا الحديثة، ويوظف المنصات الرقمية للوصول إلى جمهور عالمي لم يكن من السهل بلوغه قبل سنوات قليلة.

وفي أوروبا، بدت الساحة الموسيقية وكأنها تستعد لموسم استثنائي من الحفلات والمهرجانات الكبرى. فقد توالت خلال الأسبوع الماضي الإعلانات عن جولات فنية ضخمة ومواعيد موسيقية تستقطب عشرات الآلاف من المتفرجين. ويكشف هذا الحراك المتزايد عن استمرار الشغف الأوروبي بالموسيقى الحية رغم الانتشار الواسع لخدمات البث الرقمي. فمهما تطورت التكنولوجيا، يبقى اللقاء المباشر بين الفنان والجمهور تجربة إنسانية يصعب تعويضها بالشاشات أو التطبيقات.

كما برزت خلال الأسبوع نفسه مبادرات ثقافية تعكس حضور الموسيقى العربية والمتوسطية داخل المشهد الأوروبي. ولم يعد هذا الحضور مقتصراً على الجاليات العربية المقيمة في أوروبا، بل أصبح جزءاً من التنوع الثقافي الذي يميز المدن الأوروبية الكبرى. فالموسيقى العربية اليوم تجد لها مكاناً متزايداً في المسارح والمعاهد الثقافية والمهرجانات الدولية، الأمر الذي يساهم في تصحيح الكثير من الصور النمطية وتعزيز الحوار بين الثقافات.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اتجهت الأنظار نحو الجولات الموسيقية الكبرى التي تواصل استقطاب جمهور واسع، إضافة إلى حفلات الجوائز التي تكرم الأسماء المؤثرة في تاريخ الموسيقى الحديثة. ومن بين أبرز الأحداث التي استرعت الانتباه تكريم الفنانة لورين هيل، وهي إحدى الشخصيات التي تركت أثراً عميقاً في الموسيقى الأمريكية المعاصرة. ويكتسي هذا التكريم أهمية خاصة لأنه لا يحتفي بمسار فني ناجح فحسب، بل يعترف أيضاً بالدور الثقافي والاجتماعي الذي يمكن أن تؤديه الموسيقى في الدفاع عن قضايا الهوية والعدالة والكرامة الإنسانية.

واللافت في حصيلة الأسبوع الموسيقية العالمية أنها تكشف عن ظاهرة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والقومية. فسواء تعلق الأمر بمهرجان في الصويرة أو بحفل في القاهرة أو بفنان صاعد في جوهانسبورغ أو بجولة موسيقية في باريس أو نيويورك، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو البحث عن أشكال جديدة للتواصل الإنساني في عصر تتزايد فيه العزلة الرقمية. لقد أصبحت الموسيقى، أكثر من أي وقت مضى، وسيلة لمقاومة التفكك الاجتماعي وإعادة اكتشاف القيم المشتركة بين البشر.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من أخبار الأسبوع الماضي هو أن الموسيقى ما تزال قادرة على تجديد نفسها باستمرار. فهي لا تتوقف عن استيعاب التحولات التكنولوجية والثقافية، ولا تكف عن اكتشاف أصوات جديدة تعبر عن روح العصر. وبين أصالة كناوة المغربية، وتجارب الموسيقى العربية الحديثة، وصعود الإيقاعات الإفريقية، والحفلات الأوروبية الكبرى، والتكريمات الأمريكية الوازنة، يبدو أن العالم الموسيقي يعيش مرحلة غنية بالحيوية والابتكار.

وهكذا، بينما تنشغل نشرات الأخبار بأزمات الاقتصاد والسياسة والحروب، تستمر الموسيقى في أداء مهمتها الهادئة والعميقة: تذكير الإنسان بإنسانيته. إنها اللغة الوحيدة تقريباً التي لا تحتاج إلى مترجم، والجواز الوحيد الذي يعبر الحدود دون تأشيرة، والذاكرة المشتركة التي تحفظ شيئاً من جمال العالم وسط كل هذا الضجيج.


0 التعليقات: