كلما ظهر المنتخب الأرجنتيني في بطولة كبرى، يتكرر سؤال يثير فضول المتابعين: لماذا يكاد يخلو هذا المنتخب من اللاعبين السود، في الوقت الذي تضم فيه منتخبات أمريكا الجنوبية الأخرى، مثل البرازيل وكولومبيا والإكوادور، عددًا كبيرًا من اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية؟ وقد تحوّل هذا السؤال إلى موضوع للنقاش بين المؤرخين وعلماء الاجتماع والمهتمين بتاريخ أمريكا اللاتينية، لأن الإجابة عنه لا تتعلق بالرياضة وحدها، بل تمتد إلى التاريخ والديموغرافيا والسياسة وبناء الهوية الوطنية.
عند النظر إلى الأرجنتين
اليوم، قد يبدو للكثيرين أنها دولة ذات أغلبية أوروبية، غير أن تاريخها يكشف صورة أكثر
تعقيدًا. ففي القرنين الثامن عشر وبداية التاسع عشر كان السكان المنحدرون من أصول إفريقية
يشكلون نسبة معتبرة من سكان العاصمة بوينس آيرس ومدن أخرى. وقد وصل معظمهم عبر تجارة
الرقيق التي كانت تربط إفريقيا بالمستعمرات الإسبانية في القارة الأمريكية، وعملوا
في الزراعة والخدمة المنزلية والحرف اليدوية، كما شاركوا في الحياة العسكرية والثقافية.
غير أن هذا الوجود
أخذ يتراجع تدريجيًا خلال القرن التاسع عشر نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة. فقد
شارك آلاف الرجال السود في حروب الاستقلال ثم في الحروب الأهلية، وتعرض كثير منهم للوفاة
أو الإصابة. كما فتكت بهم أوبئة مدمرة، وعلى رأسها وباء الحمى الصفراء الذي اجتاح بوينس
آيرس سنة 1871، وأصاب الأحياء الفقيرة التي كان يسكنها عدد كبير من السكان المنحدرين
من أصول إفريقية.
لكن العامل الأكثر
تأثيرًا كان التحول الديموغرافي الكبير الذي عرفته البلاد ابتداءً من النصف الثاني
من القرن التاسع عشر. فقد انتهجت الحكومات الأرجنتينية سياسة هجرة واسعة استهدفت استقدام
ملايين المهاجرين الأوروبيين، خاصة من إيطاليا وإسبانيا، ثم من ألمانيا وفرنسا ودول
أخرى. وكانت هذه السياسة جزءًا من مشروع سياسي وثقافي يرمي إلى بناء دولة حديثة ذات
طابع أوروبي، انطلاقًا من أفكار كانت شائعة آنذاك، ترى أن التقدم يرتبط بـ«أوربة» المجتمع.
وقد انعكس هذا التوجه
في السياسات العمومية والخطاب الرسمي، حيث جرى الاحتفاء بالهجرة الأوروبية بوصفها مصدرًا
للتحديث، بينما تراجع حضور السكان الأصليين والمنحدرين من أصول إفريقية في السردية
الوطنية. ولم يكن الأمر يعني اختفاء هؤلاء السكان تمامًا، بل أصبحوا أقل ظهورًا في
الإحصاءات والكتب المدرسية والخطاب العام، وهو ما وصفه عدد من الباحثين بأنه «إخفاء
رمزي» للوجود الإفريقي في الهوية الأرجنتينية.
إلى جانب ذلك، لعب
الاختلاط السكاني دورًا مهمًا. فقد تزاوج كثير من الأرجنتينيين ذوي الأصول الإفريقية
مع السكان من أصول أوروبية أو مختلطة، ومع مرور الأجيال أصبح عدد كبير من أحفادهم لا
يعرّفون أنفسهم بوصفهم أفارقة، بل بوصفهم أرجنتينيين فقط. ولذلك فإن التراجع الظاهر
في عدد السود لا يعني بالضرورة اختفاء الأصول الإفريقية من المجتمع، وإنما يعكس أيضًا
طبيعة التصنيفات الاجتماعية والهوية الثقافية.
أما على المستوى الرياضي،
فإن كرة القدم تمثل في الغالب البنية الديموغرافية للمجتمع. فإذا كانت نسبة المواطنين
الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من أصول إفريقية محدودة، فمن الطبيعي أن يكون تمثيلهم في
المنتخب الوطني محدودًا كذلك. ولهذا السبب لا يمكن مقارنة الأرجنتين بالبرازيل، التي
استقبلت أعدادًا أكبر بكثير من الأفارقة المستعبدين، وحافظت على كتلة سكانية كبيرة
من ذوي الأصول الإفريقية حتى يومنا هذا، وهو ما ينعكس بوضوح على تركيبة منتخبها الوطني.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد
الشائع بأن المنتخب الأرجنتيني لم يضم أي لاعب أسود عبر تاريخه ليس دقيقًا. فقد مثّل
المنتخب عدد قليل من اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية في مراحل مختلفة من القرن
العشرين، إلا أن عددهم ظل محدودًا للغاية مقارنة بمنتخبات أخرى، وهو ما جعل وجودهم
أقل حضورًا في الذاكرة الرياضية.
وفي العقود الأخيرة،
عاد موضوع الهوية الإفريقية في الأرجنتين إلى الواجهة بفضل نشاط جمعيات مدنية وباحثين
يسعون إلى إعادة الاعتبار لهذا المكوّن التاريخي. كما بدأت المؤسسات الرسمية تعترف
تدريجيًا بالتنوع العرقي والثقافي داخل البلاد، وأصبح التعداد السكاني يتضمن أسئلة
تسمح للمواطنين بالإعلان عن انتمائهم إلى أصول إفريقية، بعد عقود طويلة من غياب مثل
هذه البيانات.
ومن جهة أخرى، لا يخلو
الواقع الرياضي الأرجنتيني من نقاشات حول العنصرية والتمييز، شأنه شأن كثير من المجتمعات.
وقد أثارت بعض الهتافات والسلوكات الجماهيرية أو التصريحات الفردية انتقادات داخلية
وخارجية، غير أن هذه الوقائع لا تكفي وحدها لتفسير قلة اللاعبين السود في المنتخب،
لأن العامل الحاسم يظل مرتبطًا بالتركيبة السكانية التي تشكلت عبر أكثر من قرنين من
التحولات التاريخية والهجرات والسياسات العامة.
إن خلو المنتخب الأرجنتيني
تقريبًا من اللاعبين السود ليس نتيجة قرار رياضي أو قانون يمنع مشاركتهم، بل هو حصيلة
مسار تاريخي طويل تشكلت خلاله الدولة والمجتمع على نحو مختلف عن بقية دول أمريكا الجنوبية.
فقد تداخلت الحروب والأوبئة والهجرة الأوروبية وسياسات بناء الهوية الوطنية وعمليات
الاختلاط السكاني لتنتج واقعًا ديموغرافيًا خاصًا انعكس بصورة مباشرة على مختلف مؤسسات
المجتمع، ومنها كرة القدم.
وهكذا، فإن قراءة هذه
الظاهرة تتطلب الابتعاد عن التفسيرات المبسطة، والنظر إليها بوصفها نتيجة لتشابك عوامل
تاريخية واجتماعية وسياسية وثقافية معقدة، لا بوصفها دليلًا قاطعًا على وجود سياسة
رسمية معاصرة تستهدف إقصاء اللاعبين السود من المنتخب الأرجنتيني. وفي الوقت نفسه،
يظل تاريخ الأرجنتينيين المنحدرين من أصول إفريقية جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد، حتى
وإن ظل طويلًا خارج دائرة الضوء، وهو ما يدفع اليوم عددًا متزايدًا من الباحثين والمؤرخين
إلى إعادة اكتشافه وإبراز إسهاماته في تشكيل المجتمع والثقافة والرياضة الأرجنتينية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق