يشكّل معهد العالم العربي فضاءً دينامياً تتقاطع فيه الفنون مع التاريخ، حيث يقدّم سنوياً مئات الأنشطة التي تمزج بين المعارض والندوات والعروض الموسيقية والسينمائية . وخلال الأسبوع الماضي، برزت برمجة غنية تعكس تحوّلاً نوعياً في طريقة تقديم الثقافة العربية، ليس فقط بوصفها تراثاً، بل كحقل حيّ للتفكير النقدي وإعادة التأويل.
أيام التاريخ: احتفالية معرفية بالذاكرة الجماعية
من أبرز فعاليات الأسبوع المنصرم تنظيم “أيام التاريخ 2026”، التي امتدت من 27 إلى 29 مارس، تحت ثيمة الاحتفال والطقوس في العالم العربي. وقد ضمّت هذه التظاهرة سلسلة من الندوات الفكرية مثل:
- «الربيع العربي: ذكريات الغضب والأمل»
- «الاحتفالات في الشرق الأوسط الوسيط»
- «الاستقلالات المغاربية بين الفرح الشعبي والشرعية السياسية»
تكشف هذه العناوين عن نزوع واضح نحو قراءة التاريخ العربي من زاوية اجتماعية-أنثروبولوجية، حيث تتحول “الاحتفالات” من مجرد طقوس فولكلورية إلى مفاتيح لفهم التحولات السياسية والوجدانية في المجتمعات العربية. إنّ استحضار الربيع العربي ضمن هذه البرمجة يشي برغبة في إعادة التفكير في ذاكرة قريبة لا تزال مشحونة بالدلالات، بين الأمل المؤجَّل والخيبة المركّبة.
وفي بعد آخر، تُظهر هذه اللقاءات كيف يمكن للثقافة أن تتحول إلى وسيلة للمصالحة مع الماضي، لا عبر تمجيده بل عبر تفكيكه. فالمزاوجة بين التاريخ والاحتفال تفتح أفقاً جديداً لفهم “السياسي” بوصفه تجربة معيشة، لا مجرد حدث رسمي أو وثيقة أرشيفية.
السينما والذاكرة: استعادة الصورة كوثيقة
ضمن البرنامج ذاته، احتلت العروض السينمائية والنقاشات المصاحبة لها مكانة خاصة، مثل عرض فيلم «عيد ميلاد ليلى» للمخرج رشيد مشهراوي، إلى جانب جلسات تحليلية حول أرشيف مهرجان الجزائر الإفريقي الأول .
هذه الأنشطة تؤكد أن الصورة السينمائية لم تعد مجرد أداة فنية، بل صارت وثيقة تاريخية موازية، قادرة على التقاط ما تعجز عنه النصوص الرسمية. فاستعادة الأرشيف السمعي البصري لمهرجان الجزائر، مثلاً، لا تحيي حدثاً ثقافياً فحسب، بل تعيد بناء سردية كاملة عن لحظة إفريقية-عربية كانت مشحونة بالأحلام التحررية.
كما أن اختيار أفلام ذات بعد إنساني وسياسي يعكس توجهاً نحو “سينما الذاكرة”، التي تشتبك مع الواقع بدل الهروب منه. وهنا يبرز دور المعهد كمنصة تعيد الاعتبار للسينما العربية بوصفها أداة نقدية، لا مجرد وسيلة ترفيه.
الفلسفة العربية: استعادة ابن رشد في أفق معاصر
في سياق موازٍ، استمرت لقاءات برنامج “فلسفة” التي خصصت هذه الدورة لشخصية ابن رشد (Averroès)، مع التركيز على جانبه الطبي والفكري في آن واحد .
هذه العودة إلى ابن رشد لا تأتي من باب الاحتفاء الكلاسيكي، بل من رغبة في إعادة إدماجه في النقاشات المعاصرة حول العقل والعلم. فالتركيز على “ابن رشد الطبيب” يفتح أفقاً جديداً لفهم العلاقة بين الفلسفة والتجريب العلمي، وهي علاقة غالباً ما يتم اختزالها في التراث العربي.
إن هذا التوجه يعكس وعياً متزايداً بضرورة تحرير الفكر العربي من القراءة المدرسية، وإعادة تقديمه كجزء من النقاش الكوني حول المعرفة. وهنا يتحول التراث إلى مادة حية قابلة لإعادة التفسير، لا إلى نص مغلق.
نحو ثقافة عربية عابرة للزمن والحدود
تكشف حصيلة هذا الأسبوع أن البرمجة الثقافية في معهد العالم العربي لم تعد تكتفي بعرض الثقافة العربية كهوية ثابتة، بل تسعى إلى تقديمها كمسار متحوّل، يتقاطع فيه التاريخ مع الفن، والذاكرة مع السياسة، والفلسفة مع الواقع.
إن الجمع بين الندوات التاريخية والعروض السينمائية واللقاءات الفكرية يعكس رؤية شمولية للثقافة، حيث لا يعود الفن منفصلاً عن السياق الاجتماعي، ولا التاريخ منفصلاً عن التجربة الإنسانية. وفي هذا الإطار، يبرز المعهد كجسر حضاري يعيد صياغة العلاقة بين العالم العربي وأوروبا، ليس من موقع التمثيل الثقافي فقط، بل من موقع الحوار النقدي العميق.
هكذا، يبدو أن الأسبوع الثقافي المنصرم لم يكن مجرد سلسلة أنشطة، بل كان بمثابة مختبر فكري وفني يعيد طرح الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وكيف نروي تاريخنا؟ وأي صورة نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق