في المغرب برز خبر قرار المركز السينمائي المغربي تخصيص 5.49 ملايين درهم لدعم 28 مهرجانا وتظاهرة سينمائية، وهو خبر يتجاوز رقم الدعم نفسه إلى ما يوحي به من استمرار الرهان على اللامركزية الثقافية وتوسيع الخريطة السينمائية داخل البلاد. فحين يُضخ هذا الدعم في المهرجانات، فإن الدولة لا تدعم الفرجة فقط، بل تدعم أيضا فضاءات اكتشاف المواهب، وتكوين الجمهور، وربط المدن الصغيرة والمتوسطة بإيقاع الصورة الكبرى.
والخبر المغربي الثاني هو تتويج الشريط القصير المغربي "حدائق الجنة" للمخرجة صونيا التراب في ميلانو، وهو معطى مهم لأن السينما المغربية باتت تحصد اعترافا متزايدا في فضاءات العروض القصيرة، وهي غالبا المختبر الأول للغة البصرية الجديدة. هذا النوع من الأخبار يشي بأن المغرب لا يتحرك فقط في المهرجانات المحلية، بل يصدر أيضا أسماءه وصيغه الجمالية إلى الخارج.
في العالم العربي كان افتتاح الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في مصر حدثا بارزا، خصوصا أنه جاء تحت شعار "يوسف شاهين.. حدوتة مصرية" احتفاء بمئوية ميلاده، مع برمجة تقارب 52 فيلما وندوات وورشات وعروض لأفلام شاهين بعد ترميمها. الدلالة هنا مزدوجة: من جهة هناك وفاء لذاكرة سينمائية عربية كبرى، ومن جهة ثانية هناك وعي بأن المهرجانات لا تعيش بالحاضر وحده، بل تبني حاضرها عبر إعادة استثمار الأرشيف.
أما في السعودية، فقد تأجلت الدورة الثانية عشرة من مهرجان الفيلم السعودي من موعدها الأصلي بين 23 و29 أبريل إلى الفترة ما بين 25 يونيو و1 يوليو 2026، مع الإبقاء على تيمته الأساسية "سينما الرحلة" وبرنامجه الذي يجمع بين أفلام عربية ودولية ومسابقات وأسواق تطوير المشاريع. هذا التأجيل لا يضعف قيمة الحدث، بل يكشف مدى صعود المهرجانات العربية إلى مستوى التنظيمات التي باتت تؤثر في رزنامة الصناعة الإقليمية نفسها.
ويضاف إلى ذلك خبر انتقال برنامج قمرة 2026 التابع لمؤسسة الدوحة للأفلام إلى صيغة رقمية إلى غاية 8 أبريل، وهو تطور يبرز كيف أصبحت صناعة السينما العربية تتكيف بسرعة مع الظروف الجيوسياسية، من دون أن توقف آليات احتضان المخرجين الجدد ومشاريع الأفلام الأولى والثانية. هنا لم تعد المرونة التقنية خيارا ثانويا، بل صارت جزءا من بقاء الصناعة نفسها.
في إفريقيا ظل مهرجان الأقصر نفسه عنوانا قاريا أيضا، إذ قدمته تقارير إفريقية بوصفه موعدا يجمع مواهب القارة والشتات بين 30 مارس و5 أبريل 2026، مع تخصيص قسم للماء والنيل والمناخ إلى جانب تكريم يوسف شاهين. أهمية هذا الخبر أنه يعكس انتقال السينما الإفريقية من مجرد تمثيل هوياتي إلى مساءلة القضايا البيئية والذاكرية الكبرى داخل القارة.
ومن السنغال جاء خبر الإعداد للدورة السابعة من Festival Films Femmes Afrique ما بين 10 و28 أبريل 2026 في داكار و12 مدينة أخرى، مع برمجة 82 فيلما بين الروائي والوثائقي والتحريك تحت شعار يركز على النساء في الخط الأمامي والمساواة بين الجنسين. هذا الخبر مهم لأن السينما الإفريقية لم تعد تتحدث فقط عن التمثيل الجغرافي، بل باتت تفتح جبهة نقدية واضحة حول تمثيل النساء في الصورة وفي المهنة وفي موضوع الفيلم نفسه.
في الاتحاد الأوروبي بدا واضحا أن مدينة كان تستعد لدورة 2026 بلغة جديدة: فـ Marché du Film أعلن عن أول Creator Economy Summit وعن توسيع حضور الإنتاج الافتراضي والمنصة الرقمية، ما يعني أن السوق الأوروبية الأهم لم تعد تنظر إلى السينما باعتبارها شريطا فقط، بل باعتبارها منظومة محتوى عابرة للشاشات والأدوات. وهذه إشارة قوية إلى أن أوروبا السينمائية تعيد تعريف مركزها بين الفن والتكنولوجيا والاقتصاد الإبداعي.
وفي السياق الأوروبي نفسه، تقرر أن يفتتح مهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين فيلم "La Vénus électrique" للمخرج الفرنسي بيير سالفادوري، وهو اختيار يعكس رغبة فرنسية في منح الافتتاح نبرة محلية أوروبية، بدل تحويل البساط الأحمر إلى مجرد منصة دعائية لهوليوود. وهذا مؤشر على أن أوروبا، في لحظة توتر صناعي عالمي، تحاول استعادة ثقتها في إنتاجها الوطني والقاري.
في أمريكا لفت الانتباه خبر تولي لين-مانويل ميراندا إخراج النسخة السينمائية من المسرحية الغنائية "Octet"، وهو خبر يكشف استمرار التداخل الخصب بين برودواي وهوليوود، وبين المسرح والسينما الموسيقية، في لحظة تبحث فيها الصناعة الأمريكية عن مشاريع تحمل هوية فنية واضحة أكثر من اعتمادها على السلاسل المستهلكة وحدها.
لكن الخبر الأمريكي الأعمق في تقديري هو تقرير Associated Press الذي أظهر أن أفلام العائلة والتصنيف PG أصبحت تقود الإقبال على القاعات، مدفوعة بالافتتاح القوي لفيلم "The Super Mario Galaxy Movie" وتزايد حضور جمهور الأطفال والعائلات، في وقت ما تزال فيه مداخيل التذاكر أقل من مستويات ما قبل الجائحة. هذا التحول ليس تجاريا فقط، بل ثقافي أيضا: فهوليوود تعيد بناء علاقتها مع القاعة عبر الطفل، بعد أن استنزفتها المنصات في جمهور البالغين.
خلاصة الأسبوع أن السينما لم تتحرك هذه الأيام بوصفها ترفا فنيا معزولا، بل كمنظومة كاملة تتنفس عبر المهرجانات في المغرب وإفريقيا، وتعيد ترتيب أجندتها في الخليج، وتراجع أدواتها في أوروبا، وتبحث في أمريكا عن جمهور جديد يضمن بقاء القاعة. ومن هذا المنظور، فإن أسبوع السينما المنصرم لم يكن أسبوع أخبار متناثرة، بل أسبوع أسئلة كبرى: من يمول الصورة؟ من يحفظ ذاكرتها؟ من يصنع جمهورها القادم؟ وأي توازن جديد سيفرضه الذكاء الاصطناعي والأسواق والمنصات على معنى الفيلم نفسه؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق