الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 13، 2026

دفاترُ الضوء الرقمي بين صحافةٍ تُقاوِم وصخبٍ يُعيدُ كتابةَ الحقيقة: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوعِ الماضي، لم تكنِ الأخبارُ الإعلاميةُ في المغربِ والعالمِ العربي مجرّدَ وقائعَ متناثرةٍ على صفحاتِ الجرائدِ أو شاشاتِ الهواتف، بل كانت أشبهَ بنبضٍ خفيٍّ يكشفُ تحوّلاتٍ عميقةً في جسدِ الصحافةِ العربية. شيءٌ ما يتغيّرُ في صمتٍ، كما لو أنَّ الكلماتِ نفسَها بدأت تفقدُ يقينَها، وأنَّ الحقيقةَ لم تعدْ تقيمُ في مكانٍ واحد، بل تتشظّى بين خوارزمياتٍ لا تُرى وأصابعَ تُعيدُ صياغةَ العالم في كلِّ تمريرةٍ سريعةٍ على الشاشة.

في طنجة، حيثُ البحرُ يراقبُ الذاكرةَ من علٍ، عاد اسمُ الصحفي الراحل محمد العربي المساري ليُبعثَ من جديد داخل بيت الصحافة. لم يكن الأمرُ مجردَ تكريمٍ رمزيٍّ لرجلٍ من زمنٍ آخر، بل كان استدعاءً لروحِ الصحافةِ التي كانت تُكتبُ ببطءٍ، وتُحرَّرُ بقلقٍ، وتُنشرُ وهي تحملُ شيئًا من ضميرِ أصحابها.

غير أنَّ هذا الاستدعاء، على جماله، يفضحُ مفارقةً مؤلمة: فبينما نحتفي بذاكرةِ الصحافة، تتآكلُ شروطُ وجودها في الحاضر. إننا نُخلِّدُ الماضي لأنَّنا نشعرُ، في أعماقنا، أنَّ الحاضرَ يفلتُ من بين أيدينا.

وفي الضفةِ الأخرى من المشهد، حيثُ تتكاثرُ الشاشاتُ وتضيقُ المسافات، انفجرت موجةُ الجدل حول محتوياتٍ صحيةٍ مضللةٍ تنتشرُ على مواقع التواصل الاجتماعي. لم تعدْ المشكلةُ في نقصِ المعلومة، بل في فائضها؛ لم تعدْ في الصمت، بل في الضجيج.

هنا، تتعرّى واحدةٌ من أخطرِ تحوّلاتِ عصرنا: لقد فقدَ الخبرُ احتكاره، وصار كلُّ شخصٍ مشروعَ ناشرٍ، وكلُّ هاتفٍ غرفةَ تحريرٍ صغيرة. غير أنَّ الحريةَ، حين لا تُرافقُها مسؤولية، تتحوّلُ إلى فوضى، وتتحوّلُ المعلومةُ إلى شائعةٍ بوجهٍ جميل.

وفي قلبِ هذا التحوّل، تبرزُ العلاقةُ المعقّدةُ بين الإعلامِ والسياسة. فقد أظهرت التغطياتُ الأخيرةُ للتقاربِ المغربي الفرنسي كيف يمكنُ للصحافةِ أن تكونَ جزءًا من اللعبةِ الجيوسياسية، لا مجردَ مرآةٍ لها.

إنَّ الإعلامَ لم يعدْ يكتفي بوصفِ الواقع، بل صار يُعيدُ تشكيلَه، يختارُ زواياه، ويُحدّدُ لغتَه، ويُلوّنُهُ أحيانًا بما يتناسبُ مع مصالحِ القوى التي تتحرّكُ خلف الستار. وهنا، يصبحُ السؤالُ أكثر إلحاحًا: أين تنتهي الصحافة، وأين تبدأ الرواية؟

وفي مراكش، حيثُ تتقاطعُ التكنولوجيا مع الطموح، حملت تظاهرة GITEX Africa إشاراتٍ واضحةً إلى مستقبلِ الإعلام في القارة. الذكاءُ الاصطناعي، تحليلُ البيانات، المنصاتُ الرقمية… كلها مفرداتٌ تُعيدُ تعريفَ المهنةِ من جذورها.

غير أنَّ هذا المستقبل، على بريقه، يخفي قلقًا عميقًا: هل سيبقى الصحفيُّ إنسانًا يكتبُ بحدسه وخبرته، أم سيتحوّلُ إلى مُديرِ محتوى يراقبُ ما تنتجهُ الخوارزميات؟ وهل ستظلُّ الحقيقةُ قيمةً إنسانية، أم ستصبحُ معادلةً رقميةً قابلةً للتعديل؟

في العالم العربي، تتسارعُ الخطى نحو إعلامٍ جديدٍ بلا مركز. المنصاتُ الاجتماعية لم تعدْ مجردَ وسائط، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في تشكيل الرأي العام. غرفُ النقاش المغلقة، الفيديوهاتُ القصيرة، التعليقاتُ السريعة… كلها عناصرُ تُنتجُ خطابًا جديدًا، غالبًا ما يكونُ أكثر تأثيرًا من المقالاتِ المطوّلة والتحليلاتِ العميقة.

لكن هذا التأثير، رغم قوته، يطرحُ معضلةً أخلاقية: هل يمكنُ للسرعةِ أن تُنجبَ الحقيقة؟ أم أنَّ الحقيقةَ تحتاجُ إلى بطءٍ لم يعدْ متاحًا في زمنِ التمرير اللانهائي؟

وفي ظلِّ هذا التحوّل، يجدُ الإعلامُ التقليديُّ نفسه في موقعٍ دفاعي. الصحافةُ الورقيةُ تتراجع، والقنواتُ التلفزيونيةُ تعيدُ ابتكارَ نفسها، بينما الجمهورُ يهاجرُ نحو الشاشة الصغيرة التي يحملها في جيبه.

إنها لحظةُ انتقالٍ تاريخية، لا تشبهُ ما سبقها. لم تعدِ الأزمةُ أزمةَ وسائل، بل أزمةَ معنى. ماذا يعني أن تكونَ صحفيًا اليوم؟ هل هو من يكتبُ الخبر، أم من يُديرُ انتشاره؟ هل هو من يبحثُ عن الحقيقة، أم من يُتقنُ تسويقها؟

إنَّ ما يكشفهُ هذا الأسبوعُ الإعلاميُّ ليس مجردَ تطوّرٍ تقنيٍّ، بل تحوّلٌ في طبيعةِ الوعي نفسه. لقد خرجَ الإعلامُ من غرفِ التحرير، ودخلَ إلى الحياة اليومية، إلى الجيب، إلى اللحظة العابرة. صار أقربَ، لكنه أيضًا صار أكثر هشاشة.

في هذا العالم الجديد، لم تعدِ الحقيقةُ معطًى جاهزًا، بل صارت نتيجةَ صراعٍ بين رواياتٍ متعددة. وكلُّ روايةٍ تدّعي امتلاكَها، بينما تتسرّبُ من بينها كالماء.

ربما لم تعدِ الصحافةُ قادرةً على احتكارِ الحقيقة، لكنَّها ما زالت قادرةً على شيءٍ آخر: على طرحِ السؤال. والسؤال، في زمنِ الإجاباتِ السريعة، هو آخرُ أشكالِ المقاومة.


0 التعليقات: