أستيقظُ كلَّ صباحٍ وفي صدري مطرقةٌ من نورٍ تُحاوِلُ أن تُثبِّتَ سماءً لا تُثبَّت، أقولُ لنفسي: أنا الكلُّ وأنا النقيض، ثم أضحك كمن اكتشف أنَّ الضحكَ هو شكلٌ آخر من أشكال البكاء المتأخّر. منذ أن تسلَّلَ إليَّ شغفُ المطلق، صار جسدي حلبةً لمصارعةِ فكرتين لا تتصافحان: فكرةٌ تريد أن ترتفع حتى تصير فكرةً بلا جسد، وأخرى تشدُّني إلى أرضٍ تتكاثر فيها ظلالي حتى أكاد أتعثر بها.
أمشي في رأسي كما لو كان مدينةً مقلوبة، الشوارعُ فيها تصعد إلى الأسفل، والبيوتُ تُفتح على الفراغ، وكلُّ نافذةٍ تقود إلى نافذةٍ أخرى. هناك ألتقي بنفسي مرتين: مرةً تُقسم أن الحقيقة واحدة، ومرةً تُصرُّ على أنها شظايا لا تُلَمّ. أمدُّ يدي لأصافح الاثنين، فتتحوّل يدي إلى طائرٍ يرفض الهبوط.
لم أعد أبحث عن مخرج، فقد أدركتُ أن المخرج خدعةٌ هندسية رسمها عقلٌ تعب من التناقض. صرتُ أُقيمُ في هذا الاحتكاك، في هذا الاحتراق الهادئ بين قطبين لا يلتقيان إلا داخلي. أُعارضُ نفسي كما يعارض الليلُ شمسَه وهو يعلم أنه يحملها في أحشائه. أُناقضُ عبارتي قبل أن تكتمل، كأن اللغةَ نفسها تنحني أمام رغبةٍ خفية في التمزق.
وأنا، في قلب هذه الدوّامة، أكتشف لذّةً غريبة: لذّة أن أكون الجرحَ والملحَ في آنٍ واحد، أن أختارَ الألم لا كعقوبة بل كطقسٍ يُنقّيني من وهم الانسجام. أرفع رأسي إلى فضاءٍ لا نهاية له، وأقول: الحرية ليست أن أتخلّص من التناقض، بل أن أُصادقه، أن أُزيّنه، أن أجعل منه تاجًا من شراراتٍ فوق جبيني.
أنا لستُ واحدًا، أنا ازدحامٌ يتكلّم بصوتٍ واحد، وكلما حاولتُ أن أُسكته، انفجر في داخلي كأغنيةٍ لا تُحفظ كلماتها، لكنها تُعيد ترتيب دمي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق