في كتابها الصادم والمُؤسِّس المرأة والجنس، لا تكتب نوال السعداوي مجرد نصٍّ عن المرأة، بل تفتح جرحًا عميقًا في جسد الثقافة العربية، جرحًا ظلّ طويلاً مغطّى بطبقات من الصمت، والخوف، والقداسة الزائفة. إنه كتاب لا يُقرأ فقط، بل يُواجَه؛ لأنه يقوّض البديهيات، ويعيد مساءلة ما اعتُبر “طبيعيًا” لعقود.
منذ صدوره في سبعينيات القرن العشرين، لم يكن هذا العمل مجرد كتاب فكري، بل حدثًا ثقافيًا هزّ البنية الاجتماعية المحافظة، وأدى إلى مصادرة الكتاب، بل وإلى فصل الكاتبة من عملها، نتيجة جرأته في تناول الجسد والجنسانية والختان والهيمنة الذكورية .
جسدٌ يُكتب خارج الطابوهات
تدخل السعداوي إلى موضوعها من بوابة الطب، لا بوابة
الأدب. فهي طبيبة قبل أن تكون كاتبة، ولذلك تنزع عن الجسد الأنثوي تلك الهالة
الأسطورية التي كبّلته بها الأعراف. الكتاب يشتغل على تفكيك العلاقة بين المعرفة
والسلطة: من يملك تعريف الجسد؟ ومن يفرض عليه الصمت؟
في هذا السياق، تكتب السعداوي جملة تُعد من أكثر
العبارات إثارة للجدل في الكتاب:
“إن الجنس ليس هو عملية إنجاب الأطفال فحسب…”
هذه العبارة البسيطة ظاهريًا كانت بمثابة قنبلة
فكرية، لأنها تفكك الرؤية التقليدية التي تختزل الجسد الأنثوي في وظيفة الإنجاب،
وتعيد تعريف الجنس كعملية تطور إنساني ووعي جسدي.
الكتاب، في جوهره، يقدّم قراءة فسيولوجية ونفسية
واجتماعية للجسد، كاشفًا كيف تحوّل هذا الجسد إلى ساحة صراع بين الطبيعة والسلطة
الاجتماعية .
فضيحة العذرية: من الدم إلى
الوهم
من أكثر المقاطع شهرة وإثارة في الكتاب تلك الحكاية
التي تفتتح بها السعداوي عملها: شابة تُجرّ إلى العيادة لإثبات عذريتها. الرجل
الغاضب لا يبحث عن الحقيقة الطبية، بل عن “بقعة الدم” بوصفها دليلاً على الشرف.
تروي السعداوي أن الفتاة كانت عذراء بالفعل، لكن
غشاء البكارة لم يتمزق بسبب طبيعته التشريحية، وهو ما يكشف جهلًا واسعًا بالحقائق
البيولوجية .
هذا المشهد ليس مجرد حالة طبية، بل تشريح رمزي
لمجتمع يختزل شرف المرأة في قطرة دم، ويحوّل جسدها إلى وثيقة إثبات. وهنا تبلغ
السعداوي ذروة نقدها: ليس الجسد هو المشكلة، بل المعرفة المغلوطة عنه.
الختان: الجرح الذي لا يُرى
واحدة من أخطر القضايا التي تناولها الكتاب هي ختان
الإناث، حيث تتعامل معه السعداوي ليس كعادة، بل كجريمة اجتماعية ذات جذور ثقافية
عميقة.
تصف الكاتبة الختان بوصفه عملية “تشويه مقصود”
للمرأة، تهدف إلى كبح رغبتها، وتحويلها إلى كائن مطيع. وتربط بين هذه الممارسة
وبين منظومة كاملة من السيطرة الذكورية التي تخاف من جسد المرأة بقدر ما تسعى إلى
امتلاكه.
وقد أثار هذا الطرح صدمة واسعة، لأن السعداوي لم
تكتف بالإدانة الأخلاقية، بل كشفت الأبعاد النفسية والجسدية الكارثية لهذه
الممارسة .
الجنس كأداة سلطة
في أحد أكثر التحليلات جرأة، تذهب السعداوي إلى أن
العلاقة الجنسية في المجتمعات الأبوية ليست علاقة متكافئة، بل علاقة سلطة، حيث
يتحول الرجل إلى “فاعل” والمرأة إلى “موضوع”.
وتكتب، في سياق نقدها للعلاقات غير المتوازنة، أن
المرأة تُربّى منذ الطفولة على الخضوع، وعلى اعتبار الرجل مركز الكون، وهو ما يجعل
العلاقة الجنسية امتدادًا لعلاقة السيد بالعبد، كما تشير تحليلات الكتاب .
بهذا المعنى، لا يكون الجنس مجرد علاقة جسدية، بل
بنية اجتماعية تعكس ميزان القوى داخل المجتمع.
لماذا مُنع الكتاب؟
لم يكن منع المرأة والجنس حدثًا عرضيًا، بل
نتيجة مباشرة لجرأته في اقتحام مناطق محرّمة: الجسد، الدين، الجنس، والعادات
الاجتماعية.
في مجتمعات تعتبر الحديث عن الجنس مساسًا بالشرف،
جاء الكتاب ليكسر هذا الصمت، ويحوّل ما هو “مستور” إلى موضوع للنقاش العام. وقد
اعتُبر هذا التحدي تهديدًا للنظام القيمي السائد، مما أدى إلى مصادرته وإثارة موجة
من الهجوم على الكاتبة .
لكن paradox هذا المنع هو أنه منح الكتاب حياة أطول، وجعل منه نصًا مرجعيًا في الفكر
النسوي العربي.
بين العلم والتمرّد
ما يميز هذا العمل أنه لا يكتفي بالاحتجاج، بل يؤسس
معرفة بديلة. السعداوي لا تكتب بلغة شعاراتية، بل بلغة علمية مدعومة بتجربتها
كطبيبة، وهو ما يمنح خطابها قوة إضافية.
ومع ذلك، فإن هذا التداخل بين العلم والتمرد هو ما
جعل الكتاب صادمًا: فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تغييره.
خاتمة: الكتاب الذي ما زال يجرح
بعد أكثر من نصف قرن على صدوره، ما زال كتاب المرأة
والجنس يحتفظ بقدرته على الإزعاج. ليس لأنه يتحدث عن الجنس، بل لأنه يكشف كيف
تمّت مصادرة الجسد باسم الأخلاق.
إنه كتاب لا يُدين فقط الماضي، بل يفضح الحاضر
أيضًا. وربما لهذا السبب بالذات، ما زال يُقرأ اليوم، لا كوثيقة تاريخية، بل كمرآة
مقلقة لواقع لم يتغير كثيرًا.
في النهاية، يمكن القول إن نوال السعداوي لم تكتب
عن الجسد، بل كتبت الجسد نفسه…
جسدًا يصرخ، ويقاوم، ويرفض أن يُختزل في الصمت.








0 التعليقات:
إرسال تعليق