الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مايو 30، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رواية «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ» لِلْكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الْعَظِيمِ لِيو تُولْسْتُوي


أَعِزَّائِي مُتَابِعِي الْبُودْكَاسْتِ الْأَدَبِيِّ اليومي للكاتب المغربي عبدو حقي، أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ نَخُوضُ فِيهَا غِمَارَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا الْأَدَبُ الْعَالَمِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ» لِلْكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الْعَظِيمِ لِيو تُولْسْتُوي.

وُلِدَ لِيو تُولْسْتُوي سَنَةَ 1828، وَيُعَدُّ مِنْ أَبْرَزِ الرُّوَائِيِّينَ فِي تَارِيخِ الْإِنْسَانِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَاتِبٍ، بَلْ كَانَ مُفَكِّرًا وَفَيْلَسُوفًا وَمُصْلِحًا اجْتِمَاعِيًّا، تَرَكَ بَصْمَةً خَالِدَةً فِي الْأَدَبِ وَالْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ. نُشِرَتْ رِوَايَةُ «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ» بَيْنَ سَنَتَيْ 1865 وَ1869، وَسُرْعَانَ مَا احْتَلَّتْ مَكَانَتَهَا بَيْنَ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الرِّوَائِيَّةِ فِي الْعَالَمِ.

تَأْخُذُنَا الرِّوَايَةُ إِلَى رُوسْيَا فِي بِدَايَةِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، إِلَى زَمَنِ الْحُرُوبِ الَّتِي خَاضَهَا نَابُلْيُون بُونَابَرْتَ ضِدَّ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّوسِيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ وَالْعَائِلَاتِ الْأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ، يَنْسُجُ تُولْسْتُوي عَالَمًا مُتَكَامِلًا تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْمَعَارِكُ وَالْعَوَاطِفُ وَالْأَحْلَامُ وَالِانْكِسَارَاتُ.

نَتَعَرَّفُ عَلَى الْأَمِيرِ أَنْدْرِي بُولْكُونْسْكِي، الَّذِي يَسْعَى إِلَى الْمَجْدِ الْعَسْكَرِيِّ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّ الْحَيَاةَ أَعْمَقُ مِنْ أَوْسِمَةِ الْحُرُوبِ. وَنُرَافِقُ بِيِير بِيزُوخُوف، الرَّجُلَ الْحَائِرَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَمَعْنَى الْوُجُودِ. كَمَا نَلْتَقِي نَاتَاشَا رُوسْتُوف، الشَّابَّةَ الْمُمْتَلِئَةَ بِالْحَيَوِيَّةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَالَّتِي تُجَسِّدُ رُوحَ الْحَيَاةِ وَتَقَلُّبَاتِهَا.

أَمَّا الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلرِّوَايَةِ فَتَرْتَبِطُ بِغَزْوِ نَابُلْيُون لِرُوسْيَا سَنَةَ 1812، وَهُوَ حَدَثٌ غَيَّرَ مَسَارَ أُورُوبَّا وَرُوسْيَا عَلَى السَّوَاءِ. وَلَكِنَّ تُولْسْتُوي لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا تَارِيخِيًّا بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ كَتَبَ تَأَمُّلًا عَمِيقًا فِي طَبِيعَةِ التَّارِيخِ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَرَى أَنَّ الْأَحْدَاثَ الْعُظْمَى لَا يَصْنَعُهَا الْقَادَةُ وَحْدَهُمْ، بَلْ تَصْنَعُهَا إِرَادَاتُ الْبَشَرِ وَتَفَاعُلَاتُ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَدَفُّقُ الظُّرُوفِ الْمُعَقَّدَةِ.

وَقَدِ اعْتُبِرَتْ «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ» رِوَايَةً خَالِدَةً لِأَنَّهَا تَجَاوَزَتْ حُدُودَ زَمَانِهَا وَمَكَانِهَا. فَالْقَارِئُ الْيَوْمَ مَا زَالَ يَجِدُ فِيهَا نَفْسَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تُؤَرِّقُ الْإِنْسَانَ: مَا مَعْنَى الْحَيَاةِ؟ مَا الْحُرِّيَّةُ؟ هَلْ نَصْنَعُ مَصَائِرَنَا أَمْ تَصْنَعُنَا الظُّرُوفُ؟ وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِإِنْسَانِيَّتِهِ وَسْطَ جُنُونِ الْحُرُوبِ؟

أَثَّرَتِ الرِّوَايَةُ تَأْثِيرًا هَائِلًا فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَصْبَحَتْ مَرْجِعًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ كِتَابَةَ الرِّوَايَةِ الْمَلْحَمِيَّةِ. كَمَا أُلْهِمَتْ مِنْهَا عَدِيدٌ مِنَ الْأَفْلَامِ وَالْمُسَلْسَلَاتِ وَالْعُرُوضِ الْمَسْرَحِيَّةِ فِي مُخْتَلَفِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ. وَفِي الْفَلْسَفَةِ، ظَلَّتْ أَفْكَارُ تُولْسْتُوي حَوْلَ التَّارِيخِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مَوْضِعَ نِقَاشٍ وَدِرَاسَةٍ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا.

وَمِنْ أَشْهَرِ الْعِبَارَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ تُولْسْتُوي:

«إِنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحِكْمَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ شَيْئًا

وَبِصِفَتِي كَاتِبًا، أَرَى أَنَّ «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ تُقْرَأُ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. كُلَّمَا عُدْتُ إِلَيْهَا اكْتَشَفْتُ مَعْنًى جَدِيدًا وَزَاوِيَةً أُخْرَى لِفَهْمِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَاةِ. وَقَلَّمَا وَجَدْتُ عَمَلًا أَدَبِيًّا يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِمْتَاعِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ وَالْعُمْقِ.

أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ عَنْ رِوَايَةِ «الْحَرْبُ وَالسَّلَامُ»، تِلْكَ الْمَلْحَمَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْأَدَبَ الْعَظِيمَ لَا يَعْرِفُ الشَّيْخُوخَةَ. أَمَّا فِي الْحَلَقَةِ الْمُقْبِلَةِ، فَسَنَنْتَقِلُ إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا سِرَّ خُلُودِهَا وَأَثَرَهَا فِي وُجْدَانِ الْقُرَّاءِ عَبْرَ الْأَجْيَالِ.

إِلَى اللِّقَاءِ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْكُتُبِ الَّتِي لَا تَمُوتُ.

مع تحيات الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: