```html
رَجُلٌ يَحْمِلُ مَدِينَتَهُ فِي جَيْبِهِ
الْمَدْخَلُ
هُنَا لَا تَمْشِي الْقَصِيدَةُ عَلَى الْوَرَقِ، بَلْ تَتَحَرَّكُ دَاخِلَ الشَّاشَةِ. كُلُّ كَلِمَةٍ بَابٌ، وَكُلُّ ظِلٍّ نَافِذَةٌ، وَكُلُّ صَوْتٍ طَرِيقٌ إِلَى مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ تَنَامُ فِي جَيْبِ الرُّوحِ.
الأَصْوَاتُ وَالْمُوسِيقَى
اضْغَطْ عَلَى الأَزْرَارِ لِتَشْغِيلِ أَجْوَاءٍ صَوْتِيَّةٍ خَفِيفَةٍ:
الْقَصِيدَةُ التَّفَاعُلِيَّةُ
أَمْشِي إِلَى الْعَمَلِ كُلَّ صَبَاحٍ، وَفِي جَيْبِي الْيُمْنَى مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ تَتَدَلَّى مِنْ شُرُفَاتِهَا غَسَّالَاتُ الْأَحْلَامِ، وَتَجْرِي فِي أَزِقَّتِهَا دَرَّاجَاتُ الطُّفُولَةِ مِثْلَ أَسْمَاكٍ ضَلَّتْ طَرِيقَهَا إِلَى النَّهْرِ.
أَمْشِي، وَيَمْشِي مَعِي الرَّصِيفُ، وَتَمْشِي النَّافِذَةُ الَّتِي تَرَكْتُهَا نِصْفَ مَفْتُوحَةٍ فِي بَيْتٍ يَطُلُّ عَلَى غَيْمَةٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ.
كُلُّ شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُغَادِرَ مَكَانَهُ: الْكُرْسِيُّ يُفَكِّرُ فِي السَّفَرِ، وَالسَّاعَةُ تَرْفُضُ أَنْ تُكْمِلَ دَوْرَتَهَا، وَالْمِرْآةُ تُخْفِي وَجْهِي وَتُظْهِرُ بَدَلًا مِنْهُ حَقْلًا مِنَ الْقَمْحِ تَأْكُلُهُ الْعَصَافِيرُ.
فِي السَّاحَةِ الْعَامَّةِ كَانَ بَائِعُ الْخُبْزِ يُرَتِّبُ أَرْغِفَتَهُ كَأَنَّهُ يُرَتِّبُ كَوَاكِبَ صَغِيرَةً، وَكَانَتِ النِّسَاءُ الْعَائِدَاتُ مِنَ السُّوقِ يَحْمِلْنَ أَكْيَاسًا مِنَ الْخُضْرَةِ، لَكِنِّي رَأَيْتُ فِيهَا غَابَاتٍ كَامِلَةً.
وَكَانَ عَامِلُ النَّظَافَةِ يَكْنُسُ الْوَرَقَ الْمُتَسَاقِطَ، لَكِنَّهُ فِي عَيْنَيَّ كَانَ يَكْنُسُ بَقَايَا الْحُرُوبِ، وَيَجْمَعُ شَظَايَا الصَّوْتِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ أَرْصِفَةِ الْعَالَمِ.
فِي الظَّهِيرَةِ جَلَسْتُ تَحْتَ شَجَرَةٍ تُشْبِهُ أُمِّي فِي صَبْرِهَا الطَّوِيلِ، فَرَأَيْتُ وَرَقَةً تَسْقُطُ مِنْ غُصْنٍ عَالٍ، وَرَأَيْتُ الْعَالَمَ يَسْقُطُ مَعَهَا.
وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا خَرَجَ مِنْ جَوْفِ التُّرَابِ حِصَانٌ مِنْ ضَوْءٍ يَجُرُّ وَرَاءَهُ عَرَبَةً مِنْ سَحَابٍ، وَيُوَزِّعُ عَلَى الْعَابِرِينَ تَذَاكِرَ إِلَى أَوْطَانِهِمُ الْمَنْسِيَّةِ.
قُلْتُ: لِمَاذَا يَبْكِي الْإِنْسَانُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ بَيْتَهُ الأَوَّلَ؟ فَأَجَابَتْنِي حَمَامَةٌ كَانَتْ تَقِفُ عَلَى إِشَارَةِ الْمُرُورِ: لِأَنَّ الْقَلْبَ شُرْفَةٌ، وَالأَعْمَارَ كُلَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.
عِنْدَ الْمَسَاءِ عَادَ النَّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَعَادَتِ الْحَافِلَاتُ إِلَى مَرَائِبِهَا، وَعَادَتِ الطُّيُورُ إِلَى أَعْشَاشِهَا، أَمَّا أَنَا فَبَقِيتُ أَمْشِي فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهِ.
رَأَيْتُ الْقَمَرَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَجْلِسُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ فِي الْحَدِيقَةِ، وَرَأَيْتُ النُّجُومَ تُخْرِجُ دَفَاتِرَهَا الصَّغِيرَةَ وَتَكْتُبُ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَحِينَ وَصَلْتُ إِلَى الْبَيْتِ، وَجَدْتُ الْمَدِينَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي جَيْبِي قَدْ كَبُرَتْ فَجْأَةً، وَامْتَدَّتْ شَوَارِعُهَا فِي الْغُرْفَةِ، وَصَارَتْ نَوَافِذُهَا نُجُومًا، وَصَارَتْ أَرْصِفَتُهَا أَنْهَارًا.
وَسَأَلَنِي سُكَّانُهَا، وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ صُوَرِهِمُ الْقَدِيمَةِ: هَلْ مَا زِلْتَ تَعْرِفُ أَسْمَاءَنَا؟ فَلَمْ أُجِبْ. كَانَتْ دَمْعَةٌ صَغِيرَةٌ تَكْفِي لِتَقُولَ كُلَّ شَيْءٍ.
مَعْرِضُ الرُّمُوزِ
الْقَمَرُ: شَاهِدٌ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِيُرَاقِبَ الْبَشَرَ.
الْحِصَانُ: ضَوْءٌ يَجُرُّ عَرَبَةَ الْأَوْطَانِ الْمَنْسِيَّةِ.
الْمَدِينَةُ: ذَاكِرَةٌ صَغِيرَةٌ تَكْبُرُ دَاخِلَ الْجَيْبِ.
الْحَمَامَةُ: حِكْمَةٌ تَقِفُ عَلَى إِشَارَةِ الْمُرُورِ.
رَوَابِطُ تَفَاعُلِيَّةٌ خَارِجِيَّةٌ
مَعْلُومَاتٌ عَنِ السُّورِيَالِيَّةِ
مَعْلُومَاتٌ عَنْ قَصِيدَةِ النَّثْرِ
مَعْلُومَاتٌ عَنِ الرَّمْزِيَّةِ






















