الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 01، 2026

دور النشر تفتح نوافذ الفكر على عواصف العصر: عبده حقي

 


في مشهدٍ ثقافيٍّ عربيٍّ يزدادُ تشظّيًا وغنىً في الآن نفسه، تبدو عناوين الكتب الصادرة خلال الأسبوع الماضي كأنّها مسارات صغيرة لأسئلة كبرى تتناسل في الوعي العربي المعاصر، بين جرح الواقع السياسي، وقلق الهوية، وتحوّلات المعرفة. ومن خلال تتبّع ما نشرته منصّات مثل الضفة الثالثة والقدس العربي وميدل إيست أونلاين، إلى جانب إصدارات دور النشر مثل دار الساقي ودار الآداب ودار توبقال ودار التوحيدي، نكتشف أن الكتاب العربي ما يزال يقاوم، لا بوصفه سلعة، بل بوصفه فعلًا وجوديًا يعيد مساءلة العالم.

في موقع الضفة الثالثة، الذي تحوّل إلى مرآة يومية للنبض الثقافي العربي، برزت خلال الأسبوع الماضي مجموعة من العناوين التي تعكس انشغالًا حادًا بالراهن الفلسطيني والسوري. من أبرزها كتاب «أنا صاحب فلسطين» لإبراهيم المصري، الذي لا يكتفي بالسرد العاطفي، بل يقدّم تفكيكًا نقديًا لمعنى الأرض والهوية في زمن الإبادة، حيث يتحوّل النص إلى شهادة فلسفية على الألم.

كما استعاد الموقع أيضًا أعمالًا سردية جديدة تتناول المنفى السوري، مثل نصوص لقمان ديركي، حيث يتحوّل المنفى إلى جغرافيا داخلية، أكثر قسوة من الجغرافيا الواقعية نفسها، في محاولة لإعادة تعريف معنى الوطن خارج حدوده السياسية.

أما صحيفة القدس العربي، فقد قدّمت بدورها باقة من الإصدارات الجديدة التي تنتمي إلى الرواية والشعر، من بينها رواية «العلبة – يحيى الذي رأى» لشادن دياب، التي تستثمر تقنيات السرد الشعري لتفكيك الواقع، وتعيد بناءه من خلال لغة متشظية، تحاكي هشاشة العالم.

كما ظهرت رواية «مانيدو» لتيسير خلف، التي تنبش في ثنائية الحياة والموت، وتطرح سؤال الحب في زمن الانهيار، إلى جانب أعمال أخرى مثل «جريمة في بيت الرب» و**«شركاء متشاكسون»**، وهي نصوص تؤكد أن الرواية العربية لا تزال فضاءً لتجريب الأسئلة الأخلاقية والفلسفية.

في السياق نفسه، تواصل ميدل إيست أونلاين تغطية الإصدارات الجديدة ذات الطابع الفكري والسياسي، حيث يبرز الاهتمام بكتب تعالج التحولات الكبرى في العالم العربي، من صعود الأيديولوجيات الجديدة إلى انهيار السرديات التقليدية. هذه الكتب لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى تفكيك آلياته العميقة، في تقاطع واضح بين الفكر السياسي وعلم الاجتماع الثقافي.

أما على مستوى دور النشر، فتبدو الصورة أكثر كثافة. في دار الساقي، تتوزع الإصدارات الجديدة بين الفكر والسياسة وعلم النفس، في مشهد يعكس تعددية اهتمامات القارئ العربي. من بين العناوين اللافتة:

  • «الحداثة والنقد الثقافي» لعبد الإله بلقزيز، الذي يعيد مساءلة علاقة العالم العربي بالحداثة الغربية.
  • «الإقطاع التكنولوجي» ليانيس فاروفاكيس، الذي يقدّم قراءة نقدية للرأسمالية الرقمية.
  • «قرن من الاشتراكية» لحازم صاغية، وهو عمل يستعيد التجربة الاشتراكية الأوروبية وتحولاتها.

هذه الكتب تكشف بوضوح أن الفكر العربي لم يعد منفصلًا عن التحولات العالمية، بل أصبح جزءًا من نقاش كوني حول التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.

في المقابل، تواصل دار الآداب ترسيخ موقعها كحاضنة للرواية العربية الحديثة، عبر نشر أعمال جديدة تراهن على اللغة كأداة مقاومة، وعلى السرد كمساحة لإعادة بناء الذات. وغالبًا ما تتجه هذه الإصدارات نحو استكشاف العنف الرمزي والسياسي الذي يعيشه الفرد العربي.

أما في المغرب، فتبرز دار توبقال بإصداراتها الفكرية والفلسفية التي تسعى إلى إعادة قراءة التراث العربي في ضوء الأسئلة المعاصرة، في حين تواصل دار التوحيدي الاشتغال على النصوص الفكرية والترجمات التي تفتح الأفق أمام القارئ العربي نحو الفكر العالمي.

اللافت في كل هذه الإصدارات، أنها تلتقي رغم اختلافها في نقطة واحدة: محاولة فهم الإنسان العربي في زمن القلق. فالرواية لم تعد مجرد حكاية، بل أصبحت مختبرًا للهوية، والكتاب الفكري لم يعد مجرد تنظير، بل صار أداة لفهم العالم المتغيّر.

إننا أمام مشهد ثقافي لا يمكن قراءته بمنطق التراكم فقط، بل بمنطق التحوّل؛ حيث تتجاور الأسئلة الوجودية مع القضايا السياسية، ويتقاطع الأدب مع الفلسفة، في ما يشبه إعادة تشكيل للوعي العربي نفسه. فكل كتاب جديد ليس مجرد إضافة إلى رفوف المكتبات، بل هو محاولة جديدة لكتابة الذات في زمن تتآكل فيه اليقينيات.

وهكذا، تبدو عناوين الأسبوع الماضي كأنها تقول لنا شيئًا واحدًا: إن الثقافة العربية، رغم كل ما يحيط بها من أزمات، ما تزال قادرة على إنتاج المعنى، وعلى مقاومة العدم بالكلمة، وعلى تحويل الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى أفق مفتوح لا ينتهي.



0 التعليقات: