وُلِدْتُ مِنْ جِلْدِ قِرْطَاسٍ تَحُكُّهُ أَظْفَارُ الرِّيحِ، وَكَانَتِ الأَغَانِي تَدْخُلُنِي مِنْ مَسَامِّ الْوَرَقِ كَقَوَافِلَ مِنَ الْيَرَاعِ الْمُذَهَّبِ، فَتَفْتَحُ فِي أَضْلَاعِي مَضَائِقَ لَا تَعْرِفُهَا الْخَرَائِطُ، وَتُطْلِقُ عَلَى دَمِي أَسْمَاءً بَدَوِيَّةً مَهْجُورَةً كَأَنَّهَا نُجُومٌ سَقَطَتْ مِنْ عَيْنِ إِلَهٍ كُرْدِيٍّ كَانَ يَرْعَى قُطْعَانَ الضَّوْءِ فِي أَعَالِي الزَّمَنِ.
رَأَيْتُ عَالَمِي يَنْفَكُّ مِنْ مَفَاصِلِهِ كَجَمَلٍ أَسْطُورِيٍّ يَنْفُضُ عَنْ سَنَامِهِ أَعْشَاشَ الْقُرُونِ، وَكَانَتِ الْقَوَانِينُ تَتَدَلَّى عَلَيَّ كَجُلُودِ ذِئَابٍ شَائِخَةٍ، ضَيِّقَةٍ عَلَى عِظَامِي الْغَرِيبَةِ الَّتِي نَبَتَتْ فِي حَقْلٍ مِنْ طَلْعِ الْقَمَرِ وَأَشْوَاكِ السَّمَنْدَلِ، فَلَمْ أَعْرِفْ لِلِانْتِمَاءِ سَرِيراً أَنَامُ فِيهِ، وَلَا خَيْمَةً أُعَلِّقُ عَلَى حَبْلِهَا قَلْبِي.
كُنْتُ أَتَذَكَّرُ وَطَناً بَعِيداً يَسْبَحُ فِي لُجَّةِ الدَّاخِلِ، وَطَناً مَصْنُوعاً مِنْ حَلِيبِ النُّجُومِ وَصَهِيلِ الْحَجَرِ، فَأُعِيدُ تَرْتِيبَ قَلْبِي كَمَا يُعِيدُ الْعَرَّافُ تَرْتِيبَ عِظَامِ الْغَزَالِ لِيَقْرَأَ فِيهَا مَصِيرَ الْمَطَرِ، وَحِينَ يُنَادُونَنِي: أَيُّهَا الْغَرِيبُ، أَكُونُ قَدْ صِرْتُ أَكْثَرَ أُلْفَةً مَعَ غُرْبَتِي مِنْ أُلْفَةِ النَّخْلَةِ بِظِلِّهَا.
إِنْ كَانَ الْعَالَمُ فَسِيحاً كَصَحْرَاءِ تَأْكُلُ أَذْيَالَ السُّحُبِ، وَقَاسِياً كَحَافَّةِ سَيْفٍ مَغْمُوسٍ فِي لَيْلِ الْجِنِّ، فَإِنِّي أَمْضِي، أَمْضِي كَحَيَّةٍ مِنْ زَبَدِ النَّهَارِ، أُبَدِّلُ جِلْدِي بِأَجْنِحَةٍ وَأُبَدِّلُ أَجْنِحَتِي بِمَجَادِيفَ مِنْ نَارٍ، لِأَنَّ الْأَقْفَاصَ لَمْ تُصْنَعْ لِضُلُوعِي، وَالْحَدِيدُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُرَوِّضُ غُبَارَ الْمَجَرَّاتِ.
أَنَا غَرِيبٌ، نَعَمْ، وَلَكِنِّي أَزْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَرْعَى فِيهَا الرِّيحُ الْوَحْشِيَّةُ أَفْرَاخَهَا، وَأُفْرِخُ مِنْ جُرُوحِي سَنَابِلَ مِنْ ضَوْءٍ أَزْرَقَ، وَلَسْتُ ضَائِعاً، بَلْ أَنَا صَحِيحُ الْوُجُودِ كَنَجْمٍ ذِي صِبْغَةٍ لَمْ تَتَعَلَّمْهَا السَّمَاوَاتُ بَعْدُ، نَجْمٍ يَنْظُرُ مِنْ جِهَةٍ لَا تَجْرُؤُ الْمَرَايَا عَلَى تَقْلِيدِهَا.
أَدْخُلُ الْغُرَفَ الْمُصْقُولَةَ الْوُجُوهِ، فَأَرَى الِابْتِسَامَاتِ مَرْصُوصَةً كَأَسْنَانِ الْعَاجِ فِي فَمِ تِمْثَالٍ أَعْمَى، وَأَنْسَابُ بَيْنَهُمْ كَمَطَرٍ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَانَ نَهْراً قَدِيماً، خَجُولاً حِيناً، وَمُتَهَوِّراً حِيناً، وَفِي رَأْسِي مَدٌّ لُجِّيٌّ مُتَشَعِّبٌ، تَسْبَحُ فِيهِ حِيتَانُ السِّرِّ وَعَقَارِبُ الْحِكْمَةِ وَخُيُولُ الرُّؤْيَا الْمُكَلَّلَةُ بِالرَّغْوَةِ.
وَعِنْدَمَا يُزْهِرُ اللَّيْلُ بِوَرْدِهِ الْأَسْوَدِ، أَصِيرُ حُمَّى فِي جَبِينِ الْكَوْنِ، وَأَسْمَعُ تَحْتَ ضَجِيجِ الْعَالَمِ صَوْتاً أَقْدَمَ مِنَ الْمِلْحِ، يَقُولُ لِي: يَا ابْنَ الْغُبَارِ الْمُنِيرِ، لَا تَخْتَفِ، فَقَدْ خُلِقْتَ لِتَكُونَ هُنَا، بَيْنَ الْوُحُوشِ الَّتِي تَحْمِلُ مَصَابِيحَ فِي قُلُوبِهَا وَالْمَلَائِكَةِ الَّتِي تُخَبِّئُ أَنْيَابَهَا فِي الْغَيْمِ.
لِذَلِكَ أَتْرُكُ لِغَرَابَتِي أَنْ تَرْتَدِيَ تَاجَهَا مِنْ أَعْشَابِ الْبَرْقِ، وَلِخَجَلِي أَنْ يَرْقُصَ مَعَ جُنُونِهِ عَلَى سُطُوحِ الرِّيحِ، فَلَا أَحْتَاجُ إِلَى حَاجَتِهِمْ، وَلَا إِلَى مَوَازِينِهِمْ، فَحَوَافِّي الْمُنْكَسِرَةُ أَجْنِحَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وَشُقُوقِي مَنَافِذُ تَدْخُلُ مِنْهَا الْمَجَرَّاتُ إِلَى دَمِي.
أَنَا لَا أَخَافُ. أَنَا الَّذِي يَحْمِلُ قَفَصَهُ كَجُثَّةٍ قَدِيمَةٍ وَيَمْضِي. أَنَا الْغَرِيبُ الَّذِي يُزْهِرُ حَيْثُ تَرْعَى الْكَائِنَاتُ الْمُتَوَحِّشَةُ، وَلَسْتُ قَضِيَّةً ضَائِعَةً فِي أَرْشِيفِ الرِّيحِ، بَلْ حَقِيقَةٌ تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْ نَجْمٍ آخَرَ، نَجْمٍ خُلِقَ لِيَتَجَاوَزَ كُلَّ مَا ظَنَّ أَنَّهُ نِهَايَتُهُ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق