الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 17، 2026

مدن الثقافة العربية ترفض السقوط في عزلة الشاشات

 


في حلقة اليوم من بودكاست الكاتب المغربي عبده حقي، نفتح أربع نوافذ واسعة على المشهد الثقافي والفني العربي والعالمي، من خلال سلسلة مقالات نشرها الكاتب في مدونته الإلكترونية هذا اليوم، حيث تتجاور الثقافة مع السينما، والفنون التشكيلية مع الفكر والأدب، داخل رؤية واحدة تحاول فهم العالم عبر الجمال والمعرفة والصورة. هذه المقالات لا تكتفي بتقديم أخبار ثقافية عابرة، بل تشتغل على تفكيك التحولات العميقة التي يعيشها الإنسان المعاصر في زمن السرعة الرقمية والعزلة الرمزية وتآكل المعنى.

تبدأ الرحلة مع مقال “الثقافة العربية في مواجهة العتمة بأصوات الشعر والصورة”، حيث يرسم عبده حقي خريطة ثقافية لأسبوع عربي ومغربي بدا فيه الكتاب والفن والموسيقى وكأنها تحاول الدفاع عن الروح الإنسانية ضد القبح والنسيان. يتوقف المقال عند حدث “الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026”، بوصفه لحظة ثقافية تتجاوز الاحتفال الرمزي إلى إعادة الاعتبار لفكرة “المدينة القارئة” في زمن الشاشات السريعة. ويعتبر الكاتب أن الثقافة العربية لم تعد تملك ترف الانغلاق داخل المؤسسات الرسمية، بل أصبحت مطالبة بالنزول إلى المجال العمومي من أجل استعادة علاقتها بالإنسان العادي.

ويتوسع المقال في قراءة التحولات الجديدة التي يعيشها الأدب العربي، خاصة مع صعود الأدب الرقمي والنقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة. هنا لا ينظر عبده حقي إلى التكنولوجيا باعتبارها خطراً فقط، بل أيضاً بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة الإنسان على الحفاظ على حساسيته الشعرية وسط زحف الخوارزميات. كما يناقش عودة مهرجان “موازين” إلى الواجهة، معتبراً أن الموسيقى لم تعد مجرد ترفيه، بل مرآة للتحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمعات العربية.

أما المقال الثاني، “السينما العربية تفتح نوافذ الضوء فوق مدن التعب”، فيأخذ المستمع إلى عالم الصورة المتحركة، حيث تتحول السينما إلى أرشيف إنساني مفتوح على أسئلة الحرب والمنفى والهوية والذاكرة. ينطلق المقال من المشاركة المغربية في مهرجان “كان” السينمائي، وخاصة حضور فيلم “الأكثر حلاوة” للمخرجة ليلى المراكشي، ليتحدث عن تحرر السينما المغربية والعربية من الفولكلور البصري التقليدي، واتجاهها نحو قضايا أكثر عمقاً وإنسانية.

ويقدم عبده حقي في هذا المقال قراءة واسعة للمشهد السينمائي العالمي، من المغرب إلى هوليوود، ومن السينما الإفريقية إلى الأوروبية. فالصورة السينمائية بالنسبة إليه لم تعد مجرد أداة للترفيه، بل أصبحت ساحة للصراع حول “من يملك الحق في رواية العالم”. كما يشير إلى التحولات التي تعرفها السينما الأمريكية نفسها، حيث بدأت هوليوود تفقد شيئاً من مركزيتها الرمزية أمام صعود المنصات الرقمية وعودة السينما المستقلة. وفي المقابل، تبدو السينما الإفريقية وكأنها تخوض ثورة هادئة ضد الصور النمطية القديمة، عبر إنتاج أعمال تتحدث عن الحب والمدينة والذاكرة الفردية لا عن الحروب فقط.

ثم ينتقل البودكاست إلى المقال الثالث “الفنون التشكيلية تعيد ترميم ذاكرة المدن المنهكة”، حيث تتحول اللوحة الفنية إلى وسيلة لإنقاذ المدن المتعبة من النسيان. يتابع المقال الحركية التشكيلية في المغرب والعالم العربي وأوروبا، متوقفاً عند المعارض الفنية الجديدة في فاس والرباط ومراكش، وعند الاستعدادات المغربية للمشاركة في بينالي البندقية للفنون المعاصرة. ويرى الكاتب أن الفن التشكيلي المغربي بدأ يتحرر من موقع “الهامش الجغرافي” ليخاطب العالم بلغته الخاصة.

لكن الأهم في هذا المقال هو تلك النظرة الفلسفية إلى اللوحة باعتبارها شكلاً من أشكال ترميم الذاكرة الجماعية. فالفنان المعاصر، كما يراه عبده حقي، لم يعد يرسم الجمال المثالي فقط، بل صار يشتغل على الخراب الإنساني نفسه، محولاً الركام والمدن المنهكة إلى أسئلة جمالية مفتوحة. لذلك يبدو الفن التشكيلي هنا كأنه مقاومة صامتة ضد الاستهلاك البصري اليومي، وضد اختزال الإنسان داخل شاشة الهاتف السريعة.

أما المقال الرابع “معهد العالم العربي يزرع حدائق المعنى في زمن العزلة”، فيأخذنا إلى باريس، حيث يواصل معهد العالم العربي تقديم الثقافة العربية بوصفها طاقة حية للحوار لا مجرد تراث جامد. يتوقف المقال عند المعارض والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والموسيقية التي احتضنها المعهد هذا الأسبوع، وخاصة معرض “محاولة الفن من أجل الشفاء” المرتبط بتجربة فرانتز فانون داخل الجزائر الاستعمارية.

ويعتبر عبده حقي أن أهمية هذه الأنشطة تكمن في كونها تعيد الاعتبار للفكر والفن والشعر داخل عالم تهيمن عليه الصور السريعة والخطابات الشعبوية. فالمعهد، كما يصوره المقال، لم يعد مجرد مؤسسة تعرض “الشرق” للأوروبيين، بل تحول إلى مختبر حقيقي للحوار الحضاري والجمالي. كما يسلط المقال الضوء على اللقاءات الفلسفية والأدبية والموسيقية التي تجعل من الثقافة العربية شريكاً في إنتاج الأسئلة الكونية الكبرى، لا مجرد موضوع للدراسة الاستشراقية.

القاسم المشترك بين هذه المقالات الأربع هو أن عبده حقي لا يكتب عن الثقافة بوصفها خبراً عابراً، بل باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية. فالثقافة هنا ليست ترفاً للنخب، بل محاولة لإنقاذ الإنسان من العزلة الداخلية، ومن التآكل الروحي الذي تفرضه السرعة الرقمية والعنف الرمزي للعالم المعاصر. لذلك تتحول السينما والفن والشعر والموسيقى والفلسفة داخل هذه النصوص إلى أدوات لاستعادة المعنى وسط هذا الضجيج الكوني.

ولعل الرسالة الأعمق التي تخرج بها هذه الحلقة هي أن الثقافة العربية، رغم كل الانكسارات السياسية والاقتصادية، ما تزال قادرة على إنتاج الضوء. من الرباط إلى باريس، ومن مهرجانات السينما إلى المعارض التشكيلية، ومن القصيدة إلى الموسيقى، يبدو المشهد الثقافي العربي وكأنه يصرّ على الدفاع عن حق الإنسان في الحلم والجمال والمعرفة. وهذه ربما هي المهمة الحقيقية للفن في زمن العتمة.



0 التعليقات: