في الغرفة التي كانت تتنفس ببطء مثل حيوانٍ عجوز، كان الرجلُ يلمّعُ الصمتَ كلَّ مساءٍ بقطعة قماشٍ مبللة بالخوف.
لم يكن الصمتُ صوتاً غائباً، بل كان مرآةً معلقةً فوق الجدار، كلما اقترب منها رأى وجهه يتحول إلى زجاجٍ شفاف.
كان يكنسُ حزنهُ من الأرض كما تُكنَسُ بقايا طيورٍ محترقة بعد عاصفة كهربائية، ثم يطوي خوفهُ بعنايةٍ داخل مربعات صغيرة ويخبئها في درجٍ خشبيٍّ قرب السرير، حيث تنامُ العناكبُ على أحلامٍ غير مكتملة.
لكن الحياةَ الهادئةَ التي عاشها كانت تشبه شرب الماء من إصبعٍ مبتور.
كلُّ شيءٍ فيها ناقصٌ، بلا رائحة، بلا سقوط، بلا ارتطام.
الألوانُ التي كانت تسكن عينيه بدأت تذوب مثل طلاءٍ رخيص تحت مطرٍ داخلي، حتى صار وجهه يشبه كوباً من الماء البارد تُرك وحيداً فوق طاولة مستشفى مهجور.
وفي ليلةٍ تشبه شقاً في جدار الكون، جلس الرجلُ أمام ألمه.
لم يحاول الهرب هذه المرة.
ترك الوجع يدخل صدره مثل حيوانٍ بريٍّ مبللٍ بالثلج.
فتح الباب للارتباك، للفوضى، للرعشة التي كانت تتدلى من صوته مثل مصباحٍ معطوب.
قال لقلبه:
إذا كنتَ ستنكسر، فانكسر لأنك اخترتَ ذلك، لا لأن العالمَ وضعك داخل قفصٍ من القطن.
حينها بدأت الجدرانُ تتنفس.
الكرسيُّ الخشبيُّ الذي جلس عليه تحوّل إلى شجرةٍ تنمو منها وجوهٌ بشرية صغيرة.
والسقفُ أخذ ينزفُ ضوءاً بنفسجياً كثيفاً.
حتى الليلُ نفسه بدا كأنه يمشي نائماً فوق المدينة، حاملاً آلاف البشر الذين ينامون داخل أجسادهم دون أن يعيشوا حقاً.
كان يعرف أن الراحة ليست سوى لبلابٍ أسود ينمو ببطء حول القلب.
في البداية يمنحك دفئاً خفيفاً، ثم يلتفُّ حولك حتى تنسى شكل السماء.
الناس الذين اختاروا الحياة الآمنة صاروا يشبهون تماثيل من شمعٍ أبيض؛ لا يتألمون، لكنهم أيضاً لا يشتعلون.
أما هو، فكان يريد الندوب.
يريد الكدمات التي تتركها الشمس على الروح.
يريد الضحكة الخارجة خطأً من فم المرتبكين، والدمعة التي تسقط فجأةً وسط أغنية، كأن الموسيقى نفسها تعثرت بحزنها.
وفي آخر الحلم، خرج الرجلُ إلى الشارع.
كان النهار مليئاً بأشخاصٍ يسيرون وهم نائمون، يجرّون ظلالهم خلفهم مثل أكياس قمامة سوداء.
أما هو، فقد كان ينزف قليلاً من صدره، لكن وجهه للمرة الأولى بدا حيّاً.
رفع رأسه نحو السماء، وترك قلبه يتشقق تحت الضوء، مثل ثمرة رمانٍ حمراء انفجرت أخيراً في يد الشمس.








0 التعليقات:
إرسال تعليق