الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 22، 2026

الكتاب الإلكتروني العربي يوسّع خرائط القراءة الجديدة: إعداد عبده حقي

 


لم يعد الكتاب الإلكتروني مجرد نسخة رقمية باهتة من الكتاب الورقي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء ثقافي مستقل، له جمهوره وإيقاعه ومنصاته وطقوسه الخاصة. وخلال الأسبوع الماضي تحديداً، كشفت محركات البحث والمنصات العربية المتخصصة عن موجة جديدة من الإصدارات الإلكترونية التي تؤكد أن القراءة العربية دخلت مرحلة مختلفة، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الأدب، والصوت مع النص، والذكاء الاصطناعي مع الذاكرة الإنسانية.

في واجهة هذا التحول تبرز منصة أبجد بوصفها واحدة من أكبر المكتبات الرقمية العربية، حيث أعلنت عن استمرار إضافة إصدارات جديدة يومياً إلى مكتبتها الإلكترونية والصوتية، مع التركيز على الروايات العربية الحديثة وكتب الفكر والتنمية والعلوم الإنسانية. وتشير المنصة إلى أنها تضم عشرات الآلاف من الكتب الإلكترونية والصوتية التي أصبحت متاحة للقارئ العربي عبر الهاتف المحمول والحاسوب في أي وقت.

ومن بين العناوين الإلكترونية التي برز تداولها هذا الأسبوع على المنصات الرقمية العربية رواية «مشاعر مشفرة» للكاتبة فداء العجمي، والتي ظهرت ضمن الإصدارات الرقمية الحديثة المتداولة في فضاءات القراءة الإلكترونية ومعرض الدوحة الدولي للكتاب. الرواية تستثمر مفردات العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي والعلاقات الإنسانية داخل فضاء إلكتروني متحول، وهو ما يعكس اتجاهاً عربياً جديداً نحو السرد التكنولوجي والخيال السيبراني. ال

وفي السياق نفسه، يلاحظ المتابع أن الكتاب الإلكتروني العربي بدأ يتحرر من الهيمنة التقليدية للرواية وحدها، ليفتح الباب أمام الكتب الفكرية والتقنية والأكاديمية. فقد ظهرت خلال الأسبوع الماضي عناوين متداولة رقمياً تتعلق بالذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية واللغة العربية الحاسوبية، وهو ما يعكس تنامي اهتمام القارئ العربي بالمعرفة التقنية الجديدة.

ومن بين الكتب الإلكترونية العلمية التي حظيت بتداول واسع هذا الأسبوع كتاب «Understanding Quantum Technologies 2024» للباحث أوليفييه إيزراتي، وهو كتاب رقمي مفتوح يتناول مستقبل التكنولوجيا الكمية والذكاء الحاسوبي وتحولات المعرفة العلمية الحديثة. ورغم أن الكتاب باللغة الإنجليزية، فإن تداوله عربياً داخل منصات القراءة الرقمية يعكس اتساع اهتمام القراء العرب بالمعرفة العلمية العابرة للغات.

كما لفت الانتباه خلال الأسبوع الماضي تداول كتاب رقمي أكاديمي بعنوان «AraT5: Text-to-Text Transformers for Arabic Language Generation»، وهو عمل بحثي يتناول الذكاء الاصطناعي التوليدي باللغة العربية وتطوير نماذج لغوية عربية متقدمة. أهمية هذا الكتاب الإلكتروني لا تكمن فقط في مضمونه التقني، بل في كونه يعكس بداية تشكل مكتبة معرفية عربية جديدة مرتبطة بعالم الخوارزميات واللغة الرقمية. 

ومن الكتب الرقمية المتداولة أيضاً هذا الأسبوع دراسة إلكترونية بعنوان «A Panoramic Survey of Natural Language Processing in the Arab World»، التي تتناول واقع معالجة اللغة العربية حاسوبياً، من الترجمة الآلية إلى التعرف على الكلام وتحليل النصوص العربية. هذا النوع من الكتب الإلكترونية أصبح جزءاً من التحول الثقافي الجديد الذي لم يعد يرى التكنولوجيا مجرد أداة تقنية، بل لغة ثقافية ومعرفية جديدة. 

وفي عالم المنصات الرقمية، لا يبدو الأمر مجرد بيع كتب إلكترونية، بل إعادة تشكيل لعلاقة القارئ بالنص. فتطبيقات مثل أبجد على غوغل بلاي وأبجد على متجر آبل لم تعد تعرض مجرد ملفات PDF، بل تقدم تجربة قراءة كاملة: مكتبة سحابية، كتب صوتية، ملاحظات، اقتباسات، وتفاعل اجتماعي بين القراء.

واللافت خلال هذا الأسبوع أيضاً أن الحديث عن الكتاب الإلكتروني لم يعد مقتصراً على الرواية والأدب، بل امتد إلى التعليم والتدريب والمعرفة المفتوحة. فقد ظهرت دعوات متزايدة إلى إنتاج كتب إلكترونية عربية متخصصة في القانون والإعلام والعلوم الإنسانية والبرمجة والاقتصاد الرقمي، خاصة بعد تنامي الطلب على القراءة السريعة والمحمولة داخل الهواتف الذكية.

إن الكتاب الإلكتروني العربي اليوم يعيش مرحلة انتقالية دقيقة؛ فمن جهة هناك انفجار في الإنتاج الرقمي، ومن جهة أخرى ما تزال أسئلة الحقوق الفكرية والقرصنة وضعف التوزيع قائمة بقوة. ومع ذلك، فإن ما تكشفه الإصدارات الرقمية الجديدة خلال هذا الأسبوع يؤكد أن القارئ العربي لم يعد ينتظر الكتاب الورقي وحده، بل صار يبحث عن المعرفة في شاشة مضيئة ترافقه في القطار والمقهى والمطار وغرفة النوم.

لقد تغيّر شكل المكتبة العربية. لم تعد جداراً من الخشب والغبار، بل تحولت إلى سحابة رقمية تتحرك داخل الهاتف المحمول. وأصبح الكاتب العربي بدوره مطالباً بأن يكتب لقارئ سريع، متنقل، متعدد الشاشات، وقادر على الانتقال من الرواية إلى البودكاست ثم إلى الكتاب الصوتي خلال دقائق قليلة.

هكذا يبدو مستقبل الكتاب الإلكتروني العربي: نصوص أخف وزناً، لكنها أكثر قدرة على السفر؛ كتب بلا رفوف، لكنها تصل إلى آلاف القراء في اللحظة نفسها؛ ومكتبات لا تُغلق أبوابها أبداً، لأنها ببساطة تسكن داخل الضوء نفسه.


0 التعليقات: