الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 01، 2026

قراءة نقدية في كتاب "اختراع الحياة اليومية" لميشيل دو سرتو: ترجمة عبده حقي

 


في كتابه الشهير «اختراع الحياة اليومية»، لا يكتب ميشيل دو سرتو نصًا نظريًا عادياً، بل يفتح شقوقًا دقيقة في جدار الواقع، كأنّه يهمس للقارئ: إن الحياة ليست ما يُفرض عليك، بل ما تبتكره وأنت تعيشها بصمت. هذا العمل، الصادر سنة 1980، يُعدّ من النصوص المؤسسة لدراسة اليومي، حيث ينقل مركز الثقل من السلطة إلى الإنسان العادي، من المؤسسة إلى الشارع، من الاستراتيجيات الكبرى إلى الحيل الصغيرة التي يصنع بها الناس معنى وجودهم.

منذ الصفحات الأولى، يعلن دو سرتو تمرّده على السوسيولوجيا الكلاسيكية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً مستهلكاً سلبياً. إنه يقلب المعادلة: المستهلك ليس تابعًا، بل مبدعٌ خفيّ، يمارس ما يسميه «فنّ الفعل» أو arts de faire، أي تلك الطرق اليومية التي يعيد بها تشكيل ما يُفرض عليه.

الإنسان العادي: البطل المنسي الذي يصنع العالم

في هذا الكتاب، يتحوّل الإنسان العادي إلى بطل صامت. ليس بطلاً في المعنى الملحمي، بل في المعنى الدقيق للوجود: ذلك الذي يمشي في الشارع، يقرأ نصًا، يطبخ وجبة، ويعيد في كل مرة اختراع العالم بطريقته الخاصة.

دو سرتو يرفض صورة الإنسان ككائن خاضع للثقافة المهيمنة، ويقترح بدلًا منها صورة «المستخدم» الذي يعيد توظيف المنتجات والرموز وفق حاجاته الخاصة. فالثقافة ليست ما يُنتج فقط، بل ما يُعاد استعماله.

هنا يكمن التحول الجذري في فكره: الثقافة ليست نظامًا مغلقًا، بل فضاء مفتوح للمراوغة، للانحراف الخفيف، للابتكار غير المرئي.

بين الاستراتيجيات والتكتيكات: حرب خفية داخل الحياة اليومية

أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في الكتاب هو التمييز بين «الاستراتيجيات» و«التكتيكات».

  • الاستراتيجيات: أدوات السلطة، المؤسسات، الدولة، الشركات… تلك التي تنظم الفضاء وتفرض القواعد.
  • التكتيكات: حيل الأفراد، طرقهم في الالتفاف، في التلاعب، في استعادة السيطرة على حياتهم.

إنها حرب غير مرئية، لا تُخاض في الشوارع بل في التفاصيل:
في طريقة قراءة كتاب، في اختيار طريق مختصر، في إعادة تأويل خطاب إعلامي.

الإنسان، في نظر دو سرتو، لا يواجه السلطة مباشرة، بل «يتسلل» داخلها، يعيد تشكيلها من الداخل، كما يفعل الصياد الذي يقتنص فرائسه في أرض لا يملكها.

القراءة كفعل مقاومة

من أجمل ما يطرحه الكتاب هو تصور القراءة نفسها كفعل إبداعي. فالقارئ لا يستهلك النص، بل يعيد كتابته داخليًا. يختار، يحذف، يؤوّل، ويصنع نصًا آخر داخل ذهنه.

بهذا المعنى، تصبح القراءة نوعًا من «السرقة الجميلة»، حيث يستولي القارئ على النص ويعيد تشكيله وفق تجربته الخاصة.

وهنا يلتقي دو سرتو مع فكرة «موت المؤلف»، لكن بطريقة أكثر شاعرية: المؤلف لا يموت، بل يُعاد اختراعه داخل كل قارئ.

المدينة كنصّ يُكتب بالأقدام

في فصل «المشي في المدينة»، يقدّم دو سرتو واحدة من أكثر صوره بلاغة: المدينة ليست ما ترسمه الخرائط، بل ما يكتبه المارة بأقدامهم.

السلطة ترى المدينة من الأعلى، كخريطة هندسية متماسكة.
أما الإنسان العادي، فيعيشها من الداخل، عبر اختصاراته، انحرافاته، اختياراته اليومية.

المشي هنا ليس حركة جسدية فقط، بل فعل كتابة، كتابة صامتة للنص الحضري.

نقد خفي للحداثة

رغم أن الكتاب لا يعلن موقفًا سياسياً مباشراً، إلا أنه يحمل نقدًا عميقًا للحداثة التقنية التي تدّعي تنظيم كل شيء.

فالحداثة، في نظر دو سرتو، تحاول تحويل الإنسان إلى كائن قابل للبرمجة، لكن الحياة اليومية تقاوم هذا المشروع عبر تفاصيل صغيرة، غير مرئية، لكنها فعّالة.

إنها مقاومة بلا شعارات، بلا مظاهرات، لكنها أكثر استمرارية: مقاومة العيش نفسه.

راهنية الكتاب في عصر الرقمنة

إذا نقلنا أفكار دو سرتو إلى عصرنا الرقمي، سنكتشف أن نظريته أصبحت أكثر راهنية من أي وقت مضى.

  • المستخدم على الإنترنت يمارس «تكتيكات» يومية: إعادة نشر، تعليق، تأويل.
  • الخوارزميات تمثل «استراتيجيات» تحاول توجيه السلوك.
  • الحياة الرقمية أصبحت ساحة جديدة للصراع بين السلطة والاستخدام.

بعبارة أخرى، لقد تحوّل العالم الرقمي إلى امتداد لما وصفه دو سرتو قبل عقود.

خاتمة: اختراع الحياة كفعل حرية

«اختراع الحياة اليومية» ليس كتابًا عن الحياة، بل عن الحرية داخل الحياة.

إنه دعوة إلى رؤية التفاصيل الصغيرة بوصفها أفعالاً خلاقة، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان العادي الذي يبتكر وجوده بعيدًا عن ضجيج الخطابات الكبرى.

في عالم يزداد تنظيمًا وتقييدًا، يذكّرنا دو سرتو بأن الحرية لا تختفي، بل تغيّر شكلها، وتختبئ في أبسط الأفعال:
في خطوة، في كلمة، في قراءة، في صمت.

وهكذا، لا يكون الإنسان مجرد كائن يعيش داخل العالم، بل كائن يعيد اختراع هذا العالم كل يوم… دون أن يلاحظ أحد.


0 التعليقات: