تتحرك الفنون التشكيلية في الأيام الأخيرة مثل نهر لا يقبل الوقوف؛ من إفران الباردة إلى الدار البيضاء، ومن الشارقة والدوحة إلى لندن ومدريد والبندقية، بدا المشهد الفني كأنه يكتب يومياته بالألوان والضوء والصورة والجسد والذاكرة. لم تعد اللوحة وحدها هي مركز الحكاية، بل صارت الصورة الفوتوغرافية، والمنحوتة، والتركيب، والصوت، والأرشيف، والمدينة، كلها مواد خامًا لبناء معنى جديد للإنسان وهو يفتش عن ذاته وسط ضجيج العالم.
في المغرب، برزت مدينة إفران باحتضانها دورة جديدة من مهرجان «قافلة الفن»، وهو موعد يراهن على الفنون التشكيلية بوصفها جسرا للتلاقي الثقافي لا مجرد مناسبة عابرة للعرض. وقد تضمن البرنامج معارض للفنون التشكيلية ولقاءات مع فنانين ومحاضرات موضوعاتية وأنشطة ثقافية تسعى إلى إبراز تنوع التعبيرات المعاصرة. أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في كونه ينقل الفن إلى مدينة جبلية ذات رمزية سياحية ومعمارية خاصة، بل في كونه يؤكد أن الثقافة البصرية المغربية بدأت تتحرر تدريجيا من مركزية الرباط والدار البيضاء ومراكش، وتبحث عن فضاءات أخرى تصغي إليها.
وفي الدار البيضاء، شكل افتتاح متحف التصوير والفنون البصرية حدثا لافتا، لأنه جاء مقترنا بالدورة الخامسة من ليلة المتاحف والفضاءات الثقافية، التي وضعت التصوير في قلب برنامجها احتفاء بمرور قرنين على اختراع الصورة الفوتوغرافية. هذا الخبر ليس مجرد افتتاح بناية ثقافية جديدة، بل هو إعلان رمزي عن انتقال الصورة من الهامش إلى المؤسسة، ومن ذاكرة العائلة والأرشيف الخاص إلى سؤال الفن والمعرفة والهوية. فالصورة في المغرب لم تعد وثيقة صامتة، بل صارت عينًا نقدية تنظر إلى المدينة والناس والتحولات الاجتماعية.
وتواصل طنجة بدورها تحويل صورتها الأسطورية إلى مادة فنية، من خلال معرض «طنجة. لماذا طنجة؟» الذي انطلق يوم 17 يونيو 2026 ويمتد إلى 31 يناير 2027 ضمن فعاليات مهرجان «فوتو طنجة». يجمع المعرض ما يقارب قرنا ونصف القرن من الخيال الفوتوغرافي حول المدينة، بين عيون أجنبية وعدسات محلية، ليعيد طرح السؤال القديم: هل طنجة مدينة جغرافية أم مرآة نفسية؟ في هذا المعرض تبدو طنجة لا كموضوع تصوير فقط، بل ككائن ضوئي متعدد الوجوه، تتجاور فيه الذاكرة الاستعمارية، والحلم الأدبي، والعبور، والحنين.
أما حضور المغرب في بينالي البندقية 2026 فقد منح الفن التشكيلي المغربي بعدا دوليا لافتا، خصوصا عبر مشروع «Asǝṭṭa» للفنانة أمينة أكزناي، بإشراف مريم برادة، داخل الجناح المغربي الرسمي. إن هذا الحضور يكتسب قيمة تاريخية لأنه يضع المغرب داخل واحد من أهم المحافل الفنية العالمية، لا بوصفه موضوعا فولكلوريا، بل بوصفه منتجا للمعنى المعاصر. هنا تتحول الخيوط، والذاكرة الحرفية، والتقاليد البصرية، إلى لغة كونية تخاطب زوار البندقية وتقول إن المحلي، حين يمتلك عمقه، يستطيع أن يصبح عالميا.
في العالم العربي، جاء معرض «Body Quotidian» في مؤسسة الشارقة للفنون، الذي يضم أعمال ليلى ماجد وإنعام ظفر، ليعيد الجسد إلى مركز التأمل الفني. المعرض، الممتد من 13 يونيو إلى 20 سبتمبر 2026، يشتغل على حضور الجسد في الحياة اليومية من خلال النحت والرسم والتصوير، لكنه لا يتعامل مع الجسد ككتلة بيولوجية، بل كأثر اجتماعي ورمزي ونفسي. وفي هذا المعنى تصبح الحياة اليومية نفسها مادة فنية، وتصبح التفاصيل الصغيرة، من الحركة إلى الوضعية إلى الغياب، علامات على قلق الإنسان العربي المعاصر.
وفي الدوحة، يواصل متحف «متحف: المتحف العربي للفن الحديث» برنامجه الاحتفالي بمرور خمسة عشر عاما على تأسيسه عبر معرضي «Resolutions: Evolving Realities» و«Resolutions: Celebrating 15 years of Mathaf»، الممتدين إلى 8 أغسطس 2026. قيمة هذا الحدث أنه يطرح سؤال المؤسسة الفنية العربية: ماذا يعني أن يمتلك العالم العربي متحفا حديثا للفن الحديث والمعاصر؟ المتحف هنا ليس مخزنا للأعمال، بل ذاكرة حية للفنانين العرب، ومختبرا لإعادة قراءة التحولات البصرية من الخليج إلى المغرب، ومن اللوحة إلى الوسائط الجديدة.
وفي أبوظبي، قدمت منارة السعديات برنامجا فنيا مرتبطا باليوم العالمي للبيئة داخل ستوديو الفنون، حيث تحولت المواد المعاد تدويرها والطبيعية إلى أعمال إبداعية عبر ورش مفتوحة. قد يبدو الخبر تربويا في ظاهره، لكنه يكشف تحولا مهما في وظيفة الفن العربي المعاصر: من صالونات النخبة إلى التربية البيئية، ومن العرض المغلق إلى المشاركة العائلية والجماعية.
أما في الاتحاد الأوروبي، فقد خطفت لندن الانتباه بافتتاح معرض «Frida: The Making of an Icon» في تيت مودرن، من 25 يونيو 2026 إلى 3 يناير 2027. المعرض لا يكتفي بتقديم فريدا كالو كفنانة مكسيكية شهيرة، بل يدرس كيف تحولت إلى أيقونة عالمية تتقاطع فيها اللوحة، والموضة، والسياسة، والجسد، والألم، والهوية النسائية. فريدا هنا ليست صورة مطبوعة على القمصان والملصقات، بل سؤال عميق حول صناعة الرمز الفني في الثقافة الجماهيرية.
وفي مدريد، يواصل متحف رينا صوفيا تقديم برنامج غني يتضمن معرض «Sweet Revenge» لفليكس غونزاليس توريس، ومعرض «Milk, Snow, Tear, Hand» للفنانة بلانكا سانشيث، إلى جانب معارض أخرى تشتغل على الذاكرة والجسد والسياسة والهوية. ما يميز هذه البرمجة أنها لا تنظر إلى الفن باعتباره ترفا جماليا، بل باعتباره طريقة للتفكير في الفقد والحب والهشاشة والمقاومة.
وفي أوروبا أيضا، يستمر وهج بينالي البندقية 2026، حيث تتقاطع أجنحة الدول مع أسئلة النساء، والهويات، والذاكرة، والاحتجاج الهادئ. وقد برز حضور فنانات عالميات وعربيات داخل هذا الموعد، من الجناح السعودي إلى الجناح البريطاني، بما جعل البندقية مختبرا مفتوحا للفن بوصفه لغة ناعمة ضد العنف والخراب.
تقول هذه الحصيلة إن الفن التشكيلي لم يعد يقيم في القاعة البيضاء وحدها، بل صار يخرج إلى المدينة، والمتاحف، والذاكرة، والبيئة، والجسد، والأرشيف، والمهرجان، والصورة. في المغرب يتسع المشهد بين إفران والدار البيضاء وطنجة والبندقية؛ وفي العالم العربي تتقدم الشارقة والدوحة وأبوظبي كمختبرات بصرية؛ وفي أوروبا يعاد فتح أسئلة الأيقونة والحداثة والهوية من لندن إلى مدريد والبندقية. إنها حصيلة أيام قليلة، لكنها تكشف زمنا فنيا كثيفا، يتقدم فيه اللون مثل شاهد، وتلمع الصورة مثل اعتراف، وتنهض اللوحة كما لو أنها تقول للعالم: ما زال الإنسان قادرا على أن يرى، وأن يتألم، وأن يبتكر معنى جديدا من رماد الأيام.







0 التعليقات:
إرسال تعليق