صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1929، وَتُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ أَعْمَالِ الأَدَبِ الْحَدَاثِيِّ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَمِنَ النُّصُوصِ الَّتِي غَيَّرَتْ نَظْرَةَ الْعَالَمِ إِلَى فَنِّ الرِّوَايَةِ وَإِلَى إِمْكَانَاتِ اللُّغَةِ وَالسَّرْدِ.
وُلِدَ وِلْيَامِ فَوْكْنَرُ فِي وِلَايَةِ مِيسِيسِيبِّي بِالْجَنُوبِ الأَمْرِيكِيِّ، وَارْتَبَطَ اسْمُهُ بِتَصْوِيرِ أَزَمَاتِ الْجَنُوبِ بَعْدَ الْحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ. وَقَدْ حَصَلَ عَلَى جَائِزَةِ نُوبِلَ لِلآدَابِ سَنَةَ 1949، تَقْدِيرًا لِإِسْهَامِهِ الْمُتَفَرِّدِ فِي تَجْدِيدِ الرِّوَايَةِ الْمُعَاصِرَةِ.
تَدُورُ أَحْدَاثُ «الصَّخَبُ وَالْغَضَبُ» حَوْلَ
أُسْرَةِ كُومْبْسُونَ، وَهِيَ عَائِلَةٌ أَرِسْتُقْرَاطِيَّةٌ جَنُوبِيَّةٌ
تَعِيشُ مَرْحَلَةَ انْهِيَارٍ أَخْلَاقِيٍّ وَاقْتِصَادِيٍّ وَنَفْسِيٍّ. وَمِنْ
خِلَالِ هَذَا الانْهِيَارِ يَكْشِفُ فَوْكْنَرُ عَنْ تَفَكُّكِ الْقِيَمِ
وَتَصَدُّعِ الْهُوِيَّةِ وَضَيَاعِ الْإِنْسَانِ فِي عَالَمٍ يَفْقِدُ
مَرَاجِعَهُ التَّقْلِيدِيَّةَ.
تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِصَوْتِ بِنْجِي، وَهُوَ
شَابٌّ يُعَانِي إِعَاقَةً ذِهْنِيَّةً، يَرَى الْعَالَمَ فِي شَظَايَا
مُتَقَاطِعَةٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ وَالأَصْوَاتِ وَالانْفِعَالَاتِ. وَمِنْ
خِلَالِ وَعْيِهِ الْمُضْطَرِبِ نَلْمَحُ مَلَامِحَ الْمَأْسَاةِ الَّتِي
أَصَابَتِ الْعَائِلَةَ.
ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى كُونْتِن، الأَخِ
الْمُثَقَّفِ الْمَأْزُومِ، الَّذِي يُطَارِدُهُ هَوَسُ الشَّرَفِ وَالزَّمَنِ
وَذِكْرَى أُخْتِهِ كَادِي. يَعِيشُ كُونْتِنُ صِرَاعًا مُرِيرًا بَيْنَ
الْوَاقِعِ وَالْمُثُلِ الْمُتَهَالِكَةِ حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ الأَمْرُ إِلَى
الْمَصِيرِ الْمَأْسَاوِيِّ.
أَمَّا جَيْسُنُ فَيُمَثِّلُ وَجْهًا آخَرَ مِنَ
الانْهِيَارِ؛ إِنَّهُ شَخْصِيَّةٌ غَاضِبَةٌ، جَشِعَةٌ، وَقَاسِيَةُ الْقَلْبِ،
تُحَاوِلُ التَّشَبُّثَ بِمَا تَبَقَّى مِنْ سُلْطَةٍ وَمَالٍ.
وَفِي الْجُزْءِ الأَخِيرِ تَظْهَرُ شَخْصِيَّةُ
دِلْسِي، الْخَادِمَةِ السَّوْدَاءِ، كَصَوْتٍ لِلصَّبْرِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ
وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّحَمُّلِ فِي وَسَطِ الرُّكَامِ.
وَفِي قَلْبِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَقِفُ كَادِي،
الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي لَا تَرْوِي فَصْلًا بِنَفْسِهَا، وَلَكِنَّهَا تُهَيْمِنُ
عَلَى الرِّوَايَةِ كُلِّهَا، كَأَنَّهَا شَمْسٌ غَائِبَةٌ يَدُورُ حَوْلَهَا
الْجَمِيعُ.
كَتَبَ فَوْكْنَرُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي
فَتْرَةٍ كَانَ فِيهَا الْعَالَمُ يَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ عَمِيقَةً بَعْدَ
الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الأُولَى. كَانَتِ الْيَقِينَاتُ التَّقْلِيدِيَّةُ
تَتَفَكَّكُ، وَكَانَ الإِنْسَانُ الْحَدِيثُ يَشْعُرُ بِالاغْتِرَابِ وَالْقَلَقِ.
تَأَثَّرَ فَوْكْنَرُ بِتَيَّارِ الْحَدَاثَةِ
الَّذِي ظَهَرَ فِي أُورُوبَّا وَأَمْرِيكَا، وَخَاصَّةً تِقْنِيَّةَ «تَيَّارِ
الْوَعْيِ»، الَّتِي تَسْعَى إِلَى نَقْلِ تَدَفُّقِ الأَفْكَارِ وَالذِّكْرَيَاتِ
كَمَا تَحْدُثُ دَاخِلَ الذِّهْنِ.
وَكَانَ الْجَنُوبُ الأَمْرِيكِيُّ نَفْسُهُ
يَعِيشُ أَزْمَةَ هُوِيَّةٍ بَعْدَ انْهِيَارِ النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ
الْقَدِيمِ، وَهُوَ مَا يَنْعَكِسُ بِقُوَّةٍ فِي أَجْوَاءِ الرِّوَايَةِ.
لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً
خَالِدَةً؟
لِأَنَّهَا كَسَرَتِ الأَشْكَالَ التَّقْلِيدِيَّةَ
لِلسَّرْدِ، وَجَعَلَتِ الزَّمَنَ شَخْصِيَّةً رَئِيسِيَّةً فِي الْعَمَلِ.
وَلِأَنَّهَا قَدَّمَتْ تَحْلِيلًا نَفْسِيًّا
عَمِيقًا لِلإِنْسَانِ وَهُوَ يُوَاجِهُ الانْهِيَارَ وَالْفَقْدَ وَالذَّاكِرَةَ.
وَلِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ أَنَّ الرِّوَايَةَ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ، بَلْ فَضَاءٌ لِاسْتِكْشَافِ الْوَعْيِ وَالزَّمَنِ
وَاللُّغَةِ.
إِنَّهَا مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي يَعُودُ
إِلَيْهَا الْقُرَّاءُ وَالنُّقَّادُ فِي كُلِّ جِيلٍ، لِأَنَّهَا تُقَدِّمُ
مَعَانِيَ جَدِيدَةً مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ.
أَثَرُهَا فِي الأَدَبِ
وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ
تَرَكَتْ «الصَّخَبُ وَالْغَضَبُ» أَثَرًا عَمِيقًا
فِي الرِّوَايَةِ الْعَالَمِيَّةِ. فَقَدِ اسْتَلْهَمَ مِنْهَا كَثِيرٌ مِنَ
الرُّوَائِيِّينَ تِقْنِيَّاتِ تَعَدُّدِ الأَصْوَاتِ وَتَشْظِي الزَّمَنِ
وَتَدَفُّقِ الْوَعْيِ.
كَمَا حَاوَلَتِ السِّينِمَا أَنْ تَنْقُلَ
الْعَمَلَ إِلَى الشَّاشَةِ، غَيْرَ أَنَّ التَّعْقِيدَ الدَّاخِلِيَّ
لِلرِّوَايَةِ جَعَلَ هَذِهِ الْمُهِمَّةَ شَدِيدَةَ الصُّعُوبَةِ.
أَمَّا فَلْسَفِيًّا، فَقَدْ أَثَارَتِ
الرِّوَايَةُ أَسْئِلَةً عَنِ الزَّمَنِ وَالذَّاكِرَةِ وَمَعْنَى الْهُوِيَّةِ
وَحُدُودِ الإِدْرَاكِ الإِنْسَانِيِّ.
اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ
مِنْ أَشْهَرِ الْعِبَارَاتِ الْمُنْسُوبَةِ إِلَى
الرِّوَايَةِ:
«أُعْطِيكَ ضَرِيحَ كُلِّ الآمَالِ وَالرَّغَبَاتِ.»
وَهِيَ عِبَارَةٌ تُلَخِّصُ جَوَّ الْفَقْدِ
وَالإِحْبَاطِ وَالانْكِسَارِ الَّذِي يُهَيْمِنُ عَلَى الْعَمَلِ كُلِّهِ.
كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى «الصَّخَبُ وَالْغَضَبُ»
شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ رِوَايَةً بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ
أَدْخُلُ مُتَاهَةً مِنَ الأَصْوَاتِ وَالذِّكْرَيَاتِ وَالْجُرُوحِ
الْإِنْسَانِيَّةِ. وَمَا يُدْهِشُنِي فِيهَا هُوَ أَنَّ فَوْكْنَرَ لَمْ يَكْتُبْ
عَنْ أُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، بَلْ كَتَبَ عَنْ انْهِيَارِ عَالَمٍ
بِأَكْمَلِهِ.
إِنَّهَا رِوَايَةٌ تَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ
الصَّبْرَ وَالْمُشَارَكَةَ وَإِعَادَةَ الاكْتِشَافِ، وَهُوَ مَا جَعَلَهَا
بَاقِيَةً فِي ذَاكِرَةِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ بَعْدَ مَا يَقْرُبُ مِنْ قَرْنٍ
كَامِلٍ عَلَى صُدُورِهَا.
وَفِي الْحَلَقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَنْتَقِلُ
إِلَى عَالَمٍ رُوَائِيٍّ آخَرَ لَا يَقِلُّ غُمُوضًا وَإِثَارَةً، لِنَكْتَشِفَ
مَعًا نَصًّا جَدِيدًا مِنْ نُصُوصِ الأَدَبِ الَّتِي غَيَّرَتْ طَرِيقَةَ
نَظَرِنَا إِلَى الْإِنْسَانِ وَالْعَالَمِ.
إِلَى اللِّقَاءِ.
مع تحيات الكاتب المغربي عبدو حقي







.jpg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق