الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 19، 2026

إصدارات رقمية تعبر القارات بأجنحة الكلمات الحرة: عبده حقي

 


يشهدُ عالمُ النشرِ العربيِّ الإلكترونيِّ خلالَ هذهِ الفترةِ حركيَّةً لافتةً تعكسُ التحوُّلَ المتسارعَ الذي تعرفهُ صناعةُ الكتابِ في العصرِ الرقميِّ. فبعدَ سنواتٍ طويلةٍ ظلَّ فيها الكتابُ الورقيُّ يحتكرُ المشهدَ الثقافيَّ، أصبحتِ الكتبُ الإلكترونيَّةُ اليومَ فضاءً رحبًا لوصولِ المعرفةِ إلى قرَّاءٍ جددٍ في مختلفِ أنحاءِ العالم. ولم يعدِ القارئُ العربيُّ مضطرًّا إلى انتظارِ وصولِ الكتابِ إلى المكتباتِ المحليَّةِ، بل باتَ بإمكانهِ اقتناءُ أحدثِ الإصداراتِ بضغطةِ زرٍّ واحدةٍ عبرَ المنصَّاتِ الرقميَّةِ المتخصِّصة.

ومن بينِ الإصداراتِ الإلكترونيَّةِ العربيَّةِ الحديثةِ التي استرعتِ الانتباهَ خلالَ الأيامِ الماضيةِ روايةُ «بائع التذاكر» للكاتبِ الفلسطينيِّ الراحلِ وليد دقَّة، والتي أتاحتْها دارُ الآدابِ بصيغةٍ إلكترونيَّةٍ إلى جانبِ نسختِها الورقيَّة. ويكتسبُ هذا العملُ أهميَّتَهُ من كونهِ يجمعُ بينَ التخييلِ الأدبيِّ وتجربةِ الأسرِ الطويلةِ، مقدِّمًا رؤيةً إنسانيَّةً عميقةً لمعنى الحريةِ والأملِ والمقاومةِ.

كما برزتْ روايةُ «ليلة اختفاء صاحب المعالي» للروائيِّ المغربيِّ عبد الإله بن عرفة، وهي روايةٌ تستثمرُ تقنياتِ السردِ البوليسيِّ والتأمُّلِ الفلسفيِّ في آنٍ واحدٍ، وقد توفَّرتْ ضمنَ الإصداراتِ الرقميَّةِ الحديثةِ التي تروِّجُ لها دارُ الآدابِ عبرَ منصَّاتها الإلكترونيَّة.

وفي مجالِ الفكرِ والنقدِ الثقافيِّ، شهدتِ المنصَّاتُ الرقميَّةُ العربيَّةُ اهتمامًا بكتابِ «مشقَّة العادي» للكاتبِ ساري موسى، وهو عملٌ يتناولُ تفاصيلَ الحياةِ اليوميَّةِ بوصفِها موضوعًا فلسفيًّا وثقافيًّا يستحقُّ التأمُّلَ والتحليلَ. وقد لقيَ الكتابُ اهتمامًا لدى القرَّاءِ الباحثينَ عن نصوصٍ تجمعُ بينَ العمقِ الفكريِّ واللغةِ السلسةِ.

ومن جهةٍ أخرى، تواصلُ دارُ الساقي تقديمَ عناوينَ رقميَّةٍ جديدةٍ تجمعُ بينَ الأدبِ والفكرِ والترجمةِ. وقد حظيتْ مجموعةٌ من الإصداراتِ الحديثةِ باهتمامِ القرَّاءِ على متجرِ الدارِ الإلكترونيِّ، خصوصًا الأعمالَ التي تتناولُ قضايا الهويَّةِ والذاكرةِ والتحوُّلاتِ الاجتماعيَّةِ في العالمِ العربيِّ.

أما منصَّةُ «الضفَّة الثالثة» الثقافيَّةُ فتواصلُ التعريفَ يوميًّا بكتبٍ جديدةٍ تصدرُ بصيغٍ ورقيَّةٍ وإلكترونيَّةٍ معًا. ومن خلالِ بابِ «صدر حديثًا» يمكنُ للقارئِ العربيِّ متابعةُ أحدثِ الرواياتِ والدواوينِ الشعريَّةِ والدراساتِ الفكريَّةِ التي تشقُّ طريقَها إلى الأسواقِ الثقافيَّةِ العربيَّةِ والعالميَّةِ.

وفي موقعِ «القدس العربي» تتزايدُ المتابعاتُ النقديَّةُ للكتبِ الجديدةِ، ومن بينها روايةُ «صيف سويسري» لأنعام كجه جي، التي أثارتْ نقاشًا نقديًّا واسعًا بسببِ تناولِها موضوعَ المنفى والذاكرةِ والهويَّةِ. كما نُشرتْ مراجعاتٌ لكتبٍ فكريَّةٍ وأدبيَّةٍ حديثةٍ أصبحتْ متاحةً بصيغٍ رقميَّةٍ لدى عددٍ من المنصَّاتِ العربيَّةِ.

وفي «ميدل إيست أونلاين» تبرزُ باستمرارٍ قراءاتٌ لأعمالٍ أدبيَّةٍ جديدةٍ وسيرٍ ذاتيَّةٍ ودراساتٍ ثقافيَّةٍ حديثةٍ، وهو ما يعكسُ التحوُّلَ المتنامي نحوَ القراءةِ الإلكترونيَّةِ، خصوصًا لدى الأجيالِ الشابَّةِ التي تعتمدُ الهواتفَ الذكيَّةَ والأجهزةَ اللوحيَّةَ وسيلةً رئيسةً للوصولِ إلى المعرفةِ.

كما تواصلُ منصَّاتُ الكتبِ العربيَّةِ الرقميَّةُ مثلُ «هنداوي» و«أبجد» و«كتوبيا» و«جملون» توسيعَ مكتباتِها الإلكترونيَّةِ عبرَ إضافةِ عناوينَ جديدةٍ بصورةٍ شبهِ يوميَّةٍ، الأمرُ الذي جعلَ القارئَ العربيَّ يعيشُ مرحلةً غيرَ مسبوقةٍ من الوفرةِ المعرفيَّةِ وسهولةِ الوصولِ إلى المحتوى.

إنَّ ما يميِّزُ موجةَ الكتبِ الإلكترونيَّةِ العربيَّةِ الجديدةِ ليسَ فقطْ تنوُّعُ موضوعاتِها، بل أيضًا قدرتُها على الوصولِ إلى قرَّاءٍ يقيمونَ خارجَ العالمِ العربيِّ، وهو ما يمنحُ الأدبَ العربيَّ فرصةً أكبرَ للانتشارِ والتأثيرِ. كما أنَّ النشرَ الإلكترونيَّ يوفِّرُ للكتَّابِ الشبابِ إمكاناتٍ أوسعَ للتعريفِ بأعمالِهم بعيدًا عن القيودِ التقليديَّةِ لسوقِ الكتابِ الورقيِّ.

وهكذا تبدو الساحةُ الثقافيَّةُ العربيَّةُ اليومَ أمامَ مرحلةٍ جديدةٍ تتجاورُ فيها الورقةُ والشاشةُ، ويتحوَّلُ الكتابُ من منتجٍ مادِّيٍّ محدودِ التداولِ إلى محتوى معرفيٍّ قادرٍ على عبورِ الحدودِ الجغرافيَّةِ واللغويَّةِ بسرعةٍ غيرِ مسبوقةٍ، وهو تحوُّلٌ يحملُ في طيَّاتِهِ آفاقًا واعدةً لمستقبلِ القراءةِ والإبداعِ العربيِّ.


0 التعليقات: