الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 21، 2026

مَرْثِيَّةُ الْمُنْتَخَبَاتِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْنْدِيَالِ الْأَحْلَامِ: عبده حقي


أَقِفُ الْيَوْمَ أَمَامَ الشَّاشَةِ

كَأَنَّنِي أَقِفُ أَمَامَ مِرْآةِ أُمَّةٍ تَائِهَةٍ،
أَعُدُّ الْأَهْدَافَ الَّتِي تَسَاقَطَتْ
فِي شِبَاكِنَا كَأَوْرَاقِ خَرِيفٍ مُبَكِّرٍ،
وَأَسْأَلُ نَفْسِي:
هَلْ جِئْنَا إِلَى كَأْسِ الْعَالَمِ
لِنُلْعَبَ أَمْ لِنَلْعَبَ؟

أَرَى الْمَدَارِجَ الْعَرَبِيَّةَ
تَتَدَثَّرُ بِالْأَعْلَامِ وَالْأَنَاشِيدِ،
وَتُزَيِّنُ أَحْلَامَهَا بِصُوَرِ الْمَجْدِ،
ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَعُودَ
مَحْمُولَةً عَلَى نَعْشِ النَّتَائِجِ الثَّقِيلَةِ.

كُنَّا نَحْلُمُ بِفَجْرٍ كُرَوِيٍّ جَدِيدٍ،
فَإِذَا بِنَا نَسْتَيْقِظُ عَلَى صَوْتِ الصَّفَّارَةِ
وَهِيَ تُعْلِنُ هَزِيمَةً أُخْرَى،
وَتُضِيفُ جُرْحًا جَدِيدًا
إِلَى أَرْشِيفِ الْخَيْبَاتِ الْقَدِيمَةِ.

أَنَا لَا أَبْكِي الْخَسَارَةَ،
فَالْخَسَارَةُ جُزْءٌ مِنْ رِيَاضَةِ الْعَالَمِ،
وَلَكِنِّي أَبْكِي تِلْكَ الْمَهْزَلَةَ
حِينَ نُقْنِعُ أَنْفُسَنَا كُلَّ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ
أَنَّ الْمُعْجِزَةَ سَتَقَعُ وَحْدَهَا،
وَأَنَّ الْأَحْلَامَ تَنْبُتُ
فِي أَرْضٍ لَا نَزْرَعُهَا.

أَرَى اللَّاعِبِينَ يَدْخُلُونَ الْمَلْعَبَ
كَفُرْسَانِ مَلَاحِمَ قَدِيمَةٍ،
ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهُ
كَجُنُودٍ أَضَاعُوا الْخَرِيطَةَ وَالطَّرِيقَ،
وَأَرَى الْجَمَاهِيرَ
تَبْحَثُ فِي كُلِّ هَزِيمَةٍ عَنْ مُؤَامَرَةٍ،
وَعَنْ حَكَمٍ،
وَعَنْ حَظٍّ عَاثِرٍ،
وَلَا تَبْحَثُ عَنْ الْحَقِيقَةِ
فِي مَرْآةِ الْعَمَلِ الْغَائِبِ.

كَمْ مِنْ مَرَّةٍ قُلْنَا:
هَذَا هُوَ الْجِيلُ الذَّهَبِيُّ؟
وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ صَفَّقْنَا
لِأَحْلَامٍ لَمْ تَكْتَمِلْ؟
وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ حَمَلْنَا الْكَأْسَ
فِي خَيَالِنَا قَبْلَ أَنْ نَجْتَازَ
أَوَّلَ مَنْعَطَفٍ مِنَ الطَّرِيقِ؟

إِنَّ الْعَالَمَ يَبْنِي أَكْرُوبُولَهُ الْكُرَوِيَّ
حَجَرًا فَوْقَ حَجَرٍ،
وَنَحْنُ نَبْنِي قُصُورًا مِنْ تَوَقُّعَاتٍ وَاهِيَةٍ،
تَهْدِمُهَا أَرْبَعَةُ أَهْدَافٍ،
أَوْ خَمْسَةٌ،
أَوْ سِتَّةٌ تَهْبِطُ عَلَى رُؤُوسِنَا
كَالْمَطَرِ الْغَزِيرِ.

أُحِبُّ كُرَتَنَا الْعَرَبِيَّةَ،
وَلِذَلِكَ أَغْضَبُ مِنْهَا،
أُحِبُّ جَمَاهِيرَهَا،
وَلِذَلِكَ أَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ وَهْمِ الْانْتِصَارِ السَّهْلِ،
فَالْأَمْجَادُ لَا تُشْتَرَى بِالْخُطَبِ،
وَلَا تُصْنَعُ فِي بَرَامِجِ التَّحْلِيلِ،
وَلَا تُوَلَدُ مِنْ صِيَاحِ الْمُعَلِّقِينَ.

إِنَّهَا تُصْنَعُ فِي الْمَدَارِسِ،
وَفِي الْمَلَاعِبِ الصَّغِيرَةِ،
وَفِي مَشَارِيعِ التَّكْوِينِ الطَّوِيلَةِ،
وَفِي إِدَارَاتٍ تُفَكِّرُ بِالْعَقْلِ
لَا بِالْمُوسِمِ الْقَادِمِ فَقَطْ.

وَأَنَا أُطَالِعُ جَدَاوِلَ النَّتَائِجِ،
أَشْعُرُ أَنَّ الْهَزَائِمَ الثَّقِيلَةَ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْقَامٍ عَلَى وَرَقٍ،
بَلْ رَسَائِلُ قَاسِيَةٌ
تَقُولُ لَنَا بِوُضُوحٍ:
إِنَّ الْفَجْوَةَ مَا زَالَتْ كَبِيرَةً،
وَإِنَّ الْأَحْلَامَ الْعَظِيمَةَ
تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ أَعْظَمَ.

لِذَلِكَ لَنْ أَرْفَعَ رَايَةَ الْيَأْسِ،
وَلَنْ أُخْفِي مَرَارَةَ الْحَقِيقَةِ،
سَأَقُولُ بِصَوْتٍ عَالٍ:
إِنَّ الْمَهْزَلَةَ لَيْسَتْ فِي الْهَزِيمَةِ نَفْسِهَا،
بَلْ فِي أَنْ نُكَرِّرَ الْأَخْطَاءَ ذَاتَهَا
وَنَنْتَظِرَ نَتَائِجَ مُخْتَلِفَةً.

وَسَأَبْقَى أُؤْمِنُ
أَنَّ الْكُرَةَ الْعَرَبِيَّةَ قَادِرَةٌ عَلَى النُّهُوضِ،
لَكِنَّهَا لَنْ تَنْهَضَ
بِالْأَغَانِي وَالشِّعَارَاتِ وَالذَّاكِرَةِ،
بَلْ بِالْعِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالْعَمَلِ.

حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ،
سَأُطْفِئُ الشَّاشَةَ،
وَأَجْمَعُ شَظَايَا الْحُلْمِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَنَاثِرَةِ عَلَى الْعُشْبِ،
وَأَمْضِي وَأَنَا أُرَدِّدُ:
لَعَلَّ الْهَزِيمَةَ الْيَوْمَ
تَكُونُ أَوَّلَ دَرْسٍ فِي طَرِيقِ انْتِصَارٍ
لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.




0 التعليقات: