أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكاسْتِ الْأَدَبِ الْعالَمِيِّ، نَرْحَلُ فِيهَا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ رَوائِعِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، رِوايَةِ «الْبَيْتِ الْكَئِيبِ»، Bleak House وَهُوَ الْعُنْوانُ الْعَرَبِيُّ الشَّائِعُ لِرِوايَةِ بِلِيكْ هاوْس، لِلرِّوائِيِّ الْبِرِيطانِيِّ تْشارْلْز دِيكِنْز. وَتُعَدُّ هٰذِهِ الرِّوايَةُ مِنْ أَرْقَى مَا كَتَبَهُ هٰذَا الْمُبْدِعُ الَّذِي جَعَلَ مِنَ الرِّوايَةِ مِرْآةً لِلْمُجْتَمَعِ، وَمِنَ السَّرْدِ أَدَاةً لِلدِّفاعِ عَنِ الْإِنْسانِ وَكَرَامَتِهِ.
صَدَرَتِ الرِّوايَةُ فِي حَلَقاتٍ مُتَتابِعَةٍ بَيْنَ سَنَتَيْ ١٨٥٢ وَ١٨٥٣، ثُمَّ جُمِعَتْ فِي كِتابٍ واحِدٍ، وَسُرْعانَ مَا احْتَلَّتْ مَكانَتَها بَيْنَ أَعْظَمِ الرِّواياتِ الْعالَمِيَّةِ؛ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنْ نَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ، وَعُمْقٍ نَفْسِيٍّ، وَبِناءٍ فَنِّيٍّ مُبْهِرٍ.
يُعَدُّ تْشارْلْز دِيكِنْز
مِنْ أَكْبَرِ كُتَّابِ الْعَصْرِ الْفِيكْتورِيِّ، وَأَحَدَ أَبْرَزِ مَنْ
جَعَلُوا الرِّوايَةَ أَدَاةً لِنَقْدِ الْمُجْتَمَعِ وَكَشْفِ أَوْجُهِ الظُّلْمِ
وَالْفَقْرِ وَالْبِيرُوقْراطِيَّةِ. وَلَمْ يَكْتُبْ قَصَصًا لِلتَّسْلِيَةِ
فَحَسْبُ، بَلْ كَتَبَ شَهادَةً إِنْسانِيَّةً عَلى عَصْرِهِ.
وَتُعَدُّ رِوايَةُ «الْبَيْتِ
الْكَئِيبِ» مِنْ أَنْضَجِ أَعْمالِهِ، إِذْ تَدُورُ أَحْداثُها حَوْلَ قَضِيَّةِ
مِيراثٍ شَهِيرَةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ جارِنْدايْس ضِدَّ جارِنْدايْس،
وَهِيَ قَضِيَّةٌ قَضائِيَّةٌ تَسْتَمِرُّ سَنَواتٍ طَوِيلَةً حَتَّى تُصْبِحَ
رَمْزًا لِلْعَدالَةِ الْمُعَطَّلَةِ وَالْبِيرُوقْراطِيَّةِ الَّتِي تَأْكُلُ
أَعْمارَ النّاسِ وَأَحْلامَهُمْ.
تَفْتَتِحُ الرِّوايَةُ مَشاهِدَها بِضَبابٍ
كَثِيفٍ يَلُفُّ مَدِينَةَ لَنْدَنَ، وَكَأَنَّ الطَّبِيعَةَ نَفْسَها تُعْلِنُ
أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَحْجُوبَةٌ وَأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْها طَوِيلٌ وَشاقٌّ.
فِي وَسَطِ هٰذا الْعالَمِ تَبْرُزُ
شَخْصِيَّةُ إِسْتِرْ سَمَرْسُنْ، الْفَتاةِ الْيَتِيمَةِ
الَّتِي تَنْشَأُ وَهِيَ تَجْهَلُ أَصْلَها، ثُمَّ تَجِدُ نَفْسَها تَدْخُلُ
عالَمًا مُعَقَّدًا مِنَ الْعَلاقاتِ وَالْأَسْرارِ.
وَيَظْهَرُ الشّابُّ رِيتْشارْد
كارْسْتُونْ، الَّذِي يُهْدِرُ شَبابَهُ وَمُسْتَقْبَلَهُ وَثَرْوَتَهُ
فِي انْتِظارِ حُكْمِ الْمَحْكَمَةِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ الْعَدالَةَ سَتُنْصِفُهُ،
غَيْرَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ تَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى لَعْنَةٍ تُحَطِّمُ
كُلَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْها.
وَعَلى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى، تَقِفُ اللِّيدِي
دِيدْلُوكْ، الْمَرْأَةُ الْأَرِسْتُقْراطِيَّةُ الَّتِي تُخْفِي سِرًّا
قَدِيمًا يُهَدِّدُ مَكانَتَها، فِي حِينِ يُطارِدُها الْمُحامِي تولْكِنْغْهُورْنْ
بِبُرُودٍ وَدِقَّةٍ تُشْبِهانِ حَرَكَةَ الْقَدَرِ.
وَمَعَ تَقَدُّمِ الْأَحْداثِ، يَكْتَشِفُ
الْقارِئُ أَنَّ جَمِيعَ الشَّخْصِيّاتِ مُرْتَبِطَةٌ بِخُيُوطٍ خَفِيَّةٍ،
وَأَنَّ الْمُجْتَمَعَ بِأَسْرِهِ أَسِيرُ نِظامٍ قانُونِيٍّ يُنْتِجُ الْمَآسِيَ
بَدَلًا مِنْ أَنْ يُنْهِيهَا.
كُتِبَتِ الرِّوايَةُ فِي ذِرْوَةِ الْعَصْرِ
الْفِيكْتورِيِّ، وَهُوَ عَصْرٌ شَهِدَ نَهْضَةً صِناعِيَّةً وَاقْتِصادِيَّةً
كَبِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَشَفَ أَيْضًا عَنِ اتِّساعِ الْفَوارِقِ
الِاجْتِماعِيَّةِ، وَتَعَقُّدِ الْإِدارَةِ، وَبُطْءِ الْقَضاءِ.
وَقَدِ اتَّخَذَ دِيكِنْز مِنْ مَحْكَمَةِ
التَّشانسِرِي رَمْزًا لِمُؤَسَّسَةٍ فَقَدَتْ رُوحَها، فَأَصْبَحَتِ
الْإِجْراءاتُ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً مِنَ الْعَدالَةِ نَفْسِها، وَتَحَوَّلَ
الْقانُونُ مِنْ أَدَاةٍ لِلْإِنْصافِ إِلَى مَصْدَرٍ لِلْمُعاناةِ.
كَما يَجْعَلُ الْكاتِبُ مِنَ الضَّبابِ
وَالطِّينِ وَالدُّخانِ رُموزًا لِلْغُمُوضِ الْأَخْلاقِيِّ وَالِاخْتِناقِ
الَّذِي يُهَيْمِنُ عَلى الْمُجْتَمَعِ.
اسْتَحَقَّتْ هٰذِهِ الرِّوايَةُ خُلُودَها
لِأَنَّها تَجَاوَزَتْ زَمَنَها. فَقَدْ جَمَعَ دِيكِنْزُ فِيهَا بَيْنَ
الرِّوايَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، وَالتَّحْقِيقِ الْبُولِيسِيِّ، وَالتَّحْلِيلِ
النَّفْسِيِّ، وَالنَّقْدِ الْقانُونِيِّ، فِي بِناءٍ فَنِّيٍّ مُحْكَمٍ.
وَكَما ابْتَكَرَ أُسْلُوبًا سَرْدِيًّا
مُتَمَيِّزًا، يَتَناوَبُ فِيهِ الرَّاوِي الْعَلِيمُ وَصَوْتُ إِسْتِرْ
سَمَرْسُنْ، فَمَنَحَ الرِّوايَةَ عُمْقًا وَتَنَوُّعًا لَمْ يَكُنْ مَأْلُوفًا
فِي عَصْرِهِ.
وَلِهٰذا بَقِيَتْ أَسْئِلَتُها حَيَّةً
إِلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ الْبِيرُوقْراطِيَّةَ، وَتَعَطُّلَ الْعَدالَةِ،
وَهَيْمَنَةَ الْمُؤَسَّساتِ عَلَى الْإِنْسانِ، لَمْ تَخْتَفِ مِنْ عالَمِنا
الْمُعاصِرِ.
تَرَكَتْ «الْبَيْتُ
الْكَئِيبُ» أَثَرًا بَالِغًا فِي الرِّوايَةِ الْحَدِيثَةِ، وَاسْتَلْهَمَها عَدَدٌ
كَبِيرٌ مِنَ الرِّوائِيِّينَ الَّذِينَ تَناوَلُوا عَلاقَةَ الْإِنْسانِ
بِالسُّلْطَةِ وَالْمُؤَسَّساتِ.
وَقَدْ نُقِلَتْ إِلَى السِّينَما
وَالتِّلْفازِ وَالْمَسْرَحِ وَالْإِذاعَةِ فِي عِدَّةِ اقْتِباسَاتٍ، كَما
أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا أَدَبِيًّا وَفِكْرِيًّا لِدارِسِي الْقانُونِ
وَالْمُجْتَمَعِ.
أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ،
فَإِنَّها تُثِيرُ سُؤالًا دَائِمًا: هَلْ تَفْقِدُ الْعَدالَةُ مَعْناها إِذا
ابْتَلَعَتْها الْإِجْراءاتُ؟
كُلَّما أَعَدْتُ قِراءَةَ «الْبَيْتِ الْكَئِيبِ»، ازْدَدْتُ اقْتِناعًا بِأَنَّ الرِّوايَةَ
الْعَظِيمَةَ لا تَشِيخُ. فَمَعَ أَنَّ أَحْداثَها تَعُودُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ
قَرْنٍ وَنِصْفٍ، فَإِنَّها تُحاوِرُ قارِئَ الْيَوْمِ بِاللُّغَةِ نَفْسِها،
وَتَطْرَحُ عَلَيْهِ الْأَسْئِلَةَ ذَاتَها.
إِنَّ أَكْبَرَ قُوَّةٍ فِي هٰذَا الْعَمَلِ،
فِي نَظَرِي، أَنَّ دِيكِنْزَ لَمْ يَكْتُبْ مَقالًا فِي الْإِصْلاحِ، بَلْ صَنَعَ
عالَمًا رِوائِيًّا يَدْفَعُ الْقارِئَ إِلَى اكْتِشافِ الْحَقِيقَةِ بِنَفْسِهِ،
وَإِلَى التَّساؤُلِ عَنْ مَعْنَى الْعَدالَةِ وَقِيمَةِ الْإِنْسانِ أَمامَ
الْمُؤَسَّساتِ.
أَعِزّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، كَانَتْ هٰذِهِ
رِحْلَتَنا مَعَ رِوايَةِ «الْبَيْتِ الْكَئِيبِ»، وَهِيَ رِوايَةٌ تُثْبِتُ أَنَّ الْأَدَبَ
الْحَقِيقِيَّ لا يَكْتَفِي بِسَرْدِ الْحِكاياتِ، بَلْ يَكْشِفُ الْمُجْتَمَعَ،
وَيُدافِعُ عَنِ الْإِنْسانِ، وَيُبْقِي الضَّمِيرَ مُتَيَقِّظًا أَمامَ الظُّلْمِ
وَالْعَبَثِ.
وَفِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَسافِرُ
مَعًا إِلَى رِوايَةٍ عالَمِيَّةٍ أُخْرَى، لا تَقِلُّ رَوْعَةً وَتَأْثِيرًا،
لِنَكْتَشِفَ أَسْرارَها الْفَنِّيَّةَ، وَرِسالَتَها الْإِنْسانِيَّةَ،
وَالسِّرَّ الَّذِي جَعَلَها تَبْقَى حَيَّةً فِي ذاكِرَةِ الْقُرّاءِ عَبْرَ
الْأَجْيالِ.
إِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ فِي حَلْقَةٍ
جَدِيدَةٍ، تَقَبَّلُوا مِنِّي أَطْيَبَ التَّحِيّاتِ وَأَصْدَقَ الْمَوَدَّةِ.
مع تحيات الكاتب المغربي عبدو حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق