الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يوليو 11، 2026

كنت هناك وكانت آخرُ قبلة على رأس أُمِّي: عبده حقي


ثمة صباحات لا تنتهي، حتى وإن غابت شمسها منذ سنوات. تظل عالقة في الذاكرة بكل تفاصيلها الصغيرة، كأن الزمن عجز عن انتزاعها من القلب. صباح ذلك الإثنين كان واحدًا منها. دخلت على أمي، فرأيت المرض وقد استولى على جسدها النحيل، بينما بقي وجهها يفيض بذلك الحنان الذي لا تعرفه إلا الأمهات. جلسنا إلى مائدة الفطور، لكن الطعام كان أعجز من أن يغريها بلقمة واحدة؛ فقد كانت تبحث عن شيء آخر... عن لحظة سكون تطفئ ما أثقله الألم. قبَّلت يدها، ولم أكن أعلم أنني أقبِّل للمرة الأخيرة اليد التي أمسكت بيدي منذ طفولتي، وربَّتت على رأسي في أفراحي، ومسحت دموعي في انكساراتي. خرجت مودعًا، وأنا أحمل يقينًا ساذجًا بأن الغد سيمنحني فرصة أخرى للجلوس إلى جوارها. غير أن المساء سبق الغد، وحمل إليَّ الخبر الذي شطر حياتي إلى نصفين: نصفٌ كانت أمي فيه على قيد الحياة، ونصفٌ آخر أعيش فيه على ذكراها وحدها. منذ تلك اللحظة، صار ذلك الصباح وطنًا لا أستطيع مغادرته، وصارت قبلة اليد الأخيرة أثمن ما أملك من ميراث الدنيا. وهذه الرباعيات ليست سوى محاولة لإنقاذ ما تبقى من ذلك الصباح من النسيان، ولأقول لأمي، بعد رحيلها، ما عجز لساني عن قوله قبل أن تغلق عينيها إلى الأبد.

لقد كانت أمُّنا أكثر من أم؛ كانت بيتًا يجمعنا، ودعاءً يسبق خطانا، وقلبًا يتسع لنا جميعًا على اختلاف أعمارنا وهمومنا. وبرحيلها نفقد سندًا عظيمًا، لكننا لا نفقد ما غرسته فينا من محبةٍ وتراحمٍ ووحدةٍ وصبر.

أعزّي نفسي أولًا، ثم أعزّي إخوتي وأخواتي، وكل من أحبها وعرف فضلها، في هذا المصاب الجلل. وأسأل الله العلي القدير أن يغمر فقيدتنا بواسع رحمته، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأن يبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، وأن يجزيها عنا خير الجزاء على ما بذلت من عمرها في تربيتنا ورعايتنا وحبنا.

اللهم اجمعنا بها في مستقر رحمتك، في جنات النعيم، حيث لا مرض ولا ألم ولا فراق، واجعل ما تركته في قلوبنا من محبة ووفاء صدقةً جاريةً لها ما بقي فينا نفسٌ يدعو لها، ولسانٌ يلهج بذكرها.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. رحم الله أمَّنا الغالية رحمةً واسعة، وأسكنها الفردوس الأعلى، وألهمنا جميعًا الصبر والسلوان، ولا أرانا الله بعدَها مكروهًا في عزيز 

1

صَبَاحَ الاثْنَيْنِ جِئْتُ أُقَبِّلُ كَفَّ أُمِّي،
وَأُخْفِي دُمُوعِي خَلْفَ وَجْهٍ مُبْتَسِمِ.
تَرَكْتُ لَهَا فُطُورًا... وَتَرَكْتُ قَلْبِي عِنْدَهَا،
وَمَا دَرَيْتُ أَنَّ الوَدَاعَ هُوَ الآخِرُ فِي عُمُرِي.

2

نَظَرَتْ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ أَثْقَلَهُمَا الوَجَعُ،
وَقَالَ الصَّمْتُ مَا لَمْ تَقُلْهُ الشِّفَاهُ.
أَرَادَتِ النَّوْمَ لَا الطَّعَامَ وَلَا الكَلَامَ،
وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْرِقَ لَهَا مِنَ العُمْرِ صَبَاحًا آخَرَ.

3

قَبَّلْتُ يَدَهَا... وَكَانَتْ أَرَقَّ مِنَ الضَّوْءِ،
كَأَنَّهَا تُوَدِّعُنِي دُونَ أَنْ تُفْصِحَ.
مَضَيْتُ وَأَنَا أَحْمِلُ صُورَتَهَا فِي الرُّوحِ،
وَعَادَ جَسَدِي وَحْدَهُ بَعْدَ الرَّحِيلِ.

4

عِنْدَ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ أَدَرْتُ ظَهْرِي لِلبَيْتِ،
وَظَنَنْتُ أَنَّ المَوَاعِيدَ لَا تَنْتَهِي.
لَكِنَّ المَسَاءَ سَبَقَنِي إِلَى الخَبَرِ،
فَصَارَ الطَّرِيقُ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ السِّنِينَ.

5

لَمْ تَأْكُلْ مِنْ فُطُورِهَا غَيْرَ نَظَرَةٍ حَزِينَةٍ،
وَلَمْ يَبْقَ لَهَا إِلَّا الرَّاحَةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْهَا.
أَمَّا أَنَا فَمَا زِلْتُ أَمْضَغُ ذَلِكَ الصَّبَاحَ،
كَأَنَّهُ لُقْمَةٌ مِنَ الحُزْنِ لَا تُبْتَلَعُ.

6

أُفَتِّشُ الآنَ عَنْ صَوْتِهَا فِي الغُرَفِ،
وَعَنْ أَثَرِ يَدِهَا فِي فِنْجَانِ الشَّايِ.
لَكِنَّ البَيْتَ يَعْرِفُ مَا لَا أَعْرِفُهُ،
فَيُجِيبُنِي بِصَمْتٍ يَفُوقُ البُكَاءَ.

7

لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّفَرَ سَيَخْتِمُ اللِّقَاءَ،
لَجَلَسْتُ عِنْدَ قَدَمَيْهَا إِلَى آخِرِ النَّهَارِ.
وَلَجَعَلْتُ مِنْ كُلِّ دَقِيقَةٍ عُمْرًا جَدِيدًا،
وَمِنْ كُلِّ نَظَرَةٍ وَصِيَّةً لِلْقَلْبِ.

8

قَالُوا: رَحَلَتْ مَسَاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ،
فَتَحَطَّمَ الزَّمَنُ بَيْنَ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الخَبَرِ وَأَنَا أَعِيشُ،
بِنِصْفِ قَلْبٍ... وَنِصْفِ رُوحٍ.

9

أُمِّي... مَا زِلْتُ أَرَى يَدَكِ فَوْقَ رَأْسِي،
وَإِنْ غَابَتْ عَيْنَاكِ عَنْ هَذَا العَالَمِ.
فَبَرَكَةُ الأُمَّهَاتِ لَا تُدْفَنُ مَعَهُنَّ،
بَلْ تَبْقَى تُضِيءُ مَنْ تَرَكْنَهُمْ خَلْفَهُنَّ.

10

أَمْشِي، وَفِي خُطَايَ صَبَاحُ ذَلِكَ الاثْنَيْنِ،
لَا يَغِيبُ عَنْ ذَاكِرَتِي وَإِنْ تَعَاقَبَتِ الأَعْوَامُ.
قَبْلَةُ يَدٍ... وَوَدَاعٌ... وَدُعَاءٌ خَافِتٌ،
ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ بَقِيَتْ... وَغَابَتْ أُمِّي إِلَى الأَبَدِ.

11

أَحْمِلُ ذَنْبِي كُلَّمَا أَقْبَلَ الصَّبَاحُ،
وَأَسْأَلُ نَفْسِي: لِمَاذَا سَافَرْتُ بِالسُّرْعَةِ؟
لَوْ أَنَّ الزَّمَانَ يَرْجِعُ سَاعَةً وَاحِدَةً،
لَبَقِيتُ عِنْدَ رَأْسِهَا حَتَّى يَغْلِبَنِي النُّعَاسُ.

12

كَانَ صَوْتُهَا يَتَكَسَّرُ مِنَ التَّعَبِ،
وَكَانَ قَلْبِي يَتَكَسَّرُ دُونَ أَنْ يَبِينَ.
لَمْ أَسْمَعْ مِنْهَا شَكْوَى، بَلْ تَعَبًا صَامِتًا،
وَالصَّمْتُ أَحْيَانًا أَفْصَحُ مِنْ أَلْفِ أَنِينٍ.

13

مَا زِلْتُ أَرَى سَرِيرَهَا كَمَا تَرَكْتُهُ،
وَالوِسَادَةَ الَّتِي احْتَضَنَتْ آخِرَ تَعَبِهَا.
كُلُّ شَيْءٍ فِي المَكَانِ يَنْطِقُ بِاسْمِهَا،
إِلَّا هِيَ... فَقَدْ صَارَتْ فِي سَمَاءِ الرَّحْمَةِ.

14

خَرَجْتُ أُلَوِّحُ لَهَا مِنْ بَابِ الدَّارِ،
وَكَانَتْ عَيْنَايَ تَعِدَانِهَا بِالعَوْدَةِ.
لَكِنَّ المَوْتَ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ وَعْدِي،
فَبَقِيَ الوَعْدُ يَبْكِي عَلَى العَتَبَةِ.

15

لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ آخِرَ قُبْلَةٍ،
تَبْقَى أَبَدًا أَسْخَنَ مِنْ كُلِّ القُبَلِ.
وَأَنَّ آخِرَ نَظْرَةٍ مِنْ عَيْنِ الأُمِّ،
تُصْبِحُ وَطَنًا يَسْكُنُهُ الحَنِينُ.

16

كُلَّمَا وَضَعْتُ خُبْزًا عَلَى المَائِدَةِ،
تَذَكَّرْتُ فُطُورًا لَمْ يَكْتَمِلْ.
وَكُلَّمَا رَفَعْتُ كَأْسَ الشَّايِ،
رَأَيْتُ يَدَهَا تَرْتَجِفُ فِي ذَاكِرَتِي.

17

قَالَ لِي المُسَافِرُونَ: الطَّرِيقُ طَوِيلٌ،
وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الأَطْوَلَ مِنْهُ الغِيَابُ.
فَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ وَأَنَا أُسَافِرُ،
وَلَا أَصِلُ إِلَّا إِلَى شَوْقِي.

18

أُحَدِّثُ صُورَتَهَا كُلَّ مَسَاءٍ،
وَأَنْتَظِرُ مِنَ الإِطَارِ أَنْ يُجِيبَنِي.
لَكِنَّ الصُّوَرَ تَحْفَظُ المَلَامِحَ فَقَطْ،
أَمَّا الأُمَّهَاتُ فَلَا يَعُودْنَ مِنَ الصُّوَرِ.

19

يُقَالُ إِنَّ الوَقْتَ يُدَاوِي الجِرَاحَ،
وَلَكِنَّهُ لَمْ يُدَاوِ جُرْحَ الأُمِّ.
بَلْ كُلَّمَا مَرَّ عَامٌ عَلَى رَحِيلِهَا،
ازْدَادَ الحَنِينُ شَبَابًا وَازْدَدْتُ أَنَا شَيْخُوخَةً.

20

سَأَظَلُّ أَدْعُو لَهَا مَا بَقِيَ النَّفَسُ،
فَهَذَا أَقَلُّ مَا يَرُدُّ الجَمِيلَ.
فَقَدْ رَحَلَ الجَسَدُ إِلَى رَبِّهِ،
وَبَقِيَتْ أُمِّي تُرَبِّي قَلْبِي بِالدُّعَاءِ
.




0 التعليقات: