الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يوليو 13، 2026

الصحراء المغربية وتحول موازين التأييد الدولي: عبده حقي


لم تعد قضية الصحراء المغربية محصورة في سجال دبلوماسي جامد تتكرر فيه المواقف والعبارات نفسها، بل دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة اتسمت بتحول ملحوظ في نظرة عدد متزايد من الدول إلى طبيعة النزاع وإلى الحل الممكن والواقعي له. ويبدو هذا التحول واضحًا في اتساع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، وفي افتتاح قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، إضافة إلى اعتماد قوى دولية مؤثرة خطابًا سياسيًا يعتبر المبادرة المغربية أساسًا جادًا وذا مصداقية وقابلًا للتطبيق من أجل إنهاء هذا النزاع الإقليمي المفتعل.

إن ما حققه المغرب في هذا الملف لم يكن نتيجة حملة ظرفية أو مناورة دبلوماسية عابرة، بل ثمرة سياسة طويلة النفس جمعت بين الثبات في الدفاع عن السيادة الوطنية، والانفتاح على الحل السياسي، وتنمية الأقاليم الجنوبية، وإشراك سكانها في المؤسسات المنتخبة، وبناء شراكات اقتصادية ودبلوماسية تجعل من العيون والداخلة فضاءين حقيقيين للتعاون الإفريقي والأطلسي. وفي المقابل، ظل خطاب الجزائر وجبهة البوليساريو أسير قاموس قديم، يقوم على تكرار الشعارات نفسها ومحاولة تقديم نزاع جيوسياسي إقليمي في صورة قضية تصفية استعمار، متجاهلًا التحولات الدولية وموازين المصالح ومتطلبات الحلول الواقعية.

لقد بات من الصعب إنكار أن التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية يتجه نحو الاتساع. فعدد مهم من الدول أصبح ينظر إلى هذه المبادرة باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية. وتذهب بعض الدول أبعد من ذلك، فتعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الوحيد العملي لحل النزاع. وفي أبريل 2025، جددت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وأكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي بوصفه جادًا وذا مصداقية وواقعيًا. كما حافظت واشنطن على هذا التوصيف في مواقف رسمية متعاقبة، بما يعكس استمرارية سياسية تتجاوز تغير الإدارات والأشخاص

أما فرنسا، فقد انتقلت بدورها إلى موقف أكثر وضوحًا وحسمًا. فالموقف الفرنسي الرسمي يؤكد أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت هذه السيادة هو الإطار الذي ينبغي أن تُحل داخله القضية. وفي التاسع من يوليو 2026، أعادت وزارة الخارجية الفرنسية التأكيد أن المبادرة المغربية تشكل بالنسبة إلى فرنسا الأساس الوحيد المؤدي إلى سلام عادل ودائم ومقبول من الأطراف. ولا يتعلق الأمر هنا بتعاطف سياسي عابر، بل بتحول استراتيجي لدولة عضو دائم في مجلس الأمن وذات وزن أوروبي ودولي كبير.

وتبرز إسبانيا بدورها باعتبارها مثالًا مهمًا على تغير المقاربة الأوروبية للنزاع. فمنذ إعلان مدريد سنة 2022 اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة مبنية على الوضوح والاحترام المتبادل والتعاون الأمني والاقتصادي. وقد جددت إسبانيا هذا الموقف في الإعلان المشترك الصادر عقب الاجتماع المغربي الإسباني رفيع المستوى في ديسمبر 2025، بما يدل على أن الأمر ليس مجرد موقف ظرفي فرضته أزمة دبلوماسية، وإنما خيار سياسي مؤسساتي مستمر.

ويكشف الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية، في عرض محدث عن المغرب نُشر في أبريل 2026، أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي باتت تتخذ مواقف إيجابية تجاه مشروع الحكم الذاتي، كما يشير إلى أن عشرات الدول اعترفت بدرجات مختلفة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وهذا المعطى، بصرف النظر عن اختلاف صيغ التعبير الدبلوماسي بين دولة وأخرى، يعكس اتجاهًا دوليًا متزايدًا نحو الواقعية السياسية، ونحو البحث عن حل قابل للتنفيذ بدل الإبقاء على المنطقة رهينة أطروحات انفصالية استنفدت قدرتها على الإقناع.

إن القيمة السياسية لهذا التحول لا تكمن فقط في عدد الدول المؤيدة، بل في طبيعتها ووزنها. فعندما تؤيد قوى دولية كبرى مبادرة الحكم الذاتي، وعندما تنخرط دول أوروبية وإفريقية وعربية وأمريكية لاتينية في دينامية الاعتراف بجدية المقترح المغربي، فإن ذلك يعني أن خطاب المغرب أصبح أكثر انسجامًا مع منطق النظام الدولي المعاصر، الذي يفضل التسويات السياسية الواقعية، ويحذر من إنشاء كيانات هشة قد تتحول إلى بؤر توتر وعدم استقرار.

وفي هذا السياق، يمثل افتتاح القنصليات العامة في العيون والداخلة أحد أبرز التحولات الميدانية في مسار القضية. فالقنصلية ليست مجرد بناية إدارية أو تمثيلية بروتوكولية، بل هي تعبير سيادي ودبلوماسي مباشر عن اعتراف الدولة التي تفتتحها بممارسة المغرب لاختصاصاته على أراضيه الجنوبية. وقد بلغ عدد القنصليات المفتتحة في المدينتين نحو ثلاثين قنصلية بحلول نهاية سنة 2024، وفق المعطيات الرسمية المغربية، وهو رقم يعكس اتساع الحضور الدولي في الأقاليم الجنوبية ويحول التأييد السياسي إلى واقع دبلوماسي مؤسساتي

لقد اختارت دول إفريقية وعربية ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية أن تفتتح قنصلياتها في العيون أو الداخلة، في خطوة تحمل أكثر من دلالة. فهي أولًا تعبير عن دعم واضح للوحدة الترابية للمغرب، وثانيًا إعلان عن الثقة في الاستقرار الذي تعرفه المنطقة، وثالثًا استعداد للمشاركة في المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تجعل من الأقاليم الجنوبية بوابة نحو إفريقيا والمحيط الأطلسي. وقد أكدت دول، مثل سورينام والرأس الأخضر، أن فتح قنصلياتها في الداخلة يعبر صراحة عن دعمها لسيادة المغرب ولمبادرة الحكم الذاتي

إن هذه القنصليات تفند عمليًا الادعاء القائل إن الأقاليم الجنوبية فضاء معزول أو منطقة تعيش خارج الدورة الاقتصادية والدبلوماسية. فالعيون والداخلة أصبحتا تحتضنان تمثيليات أجنبية ومنتديات اقتصادية ومشاريع بنية تحتية واستثمارات وطنية ودولية. وبذلك يقدم المغرب جوابه على الدعاية الانفصالية من خلال التنمية والاستقرار والحضور المؤسسي، لا من خلال الشعارات وحدها.

في المقابل، تبدو جبهة البوليساريو عاجزة عن تقديم نموذج سياسي أو اقتصادي قابل للحياة. فهي لا تزال تراهن على خطاب تأسس في سياقات الحرب الباردة، وتتعامل مع تغير المواقف الدولية باعتباره مؤامرة أو نتيجة ضغوط، بدل أن تسأل نفسها عن أسباب تراجع جاذبية أطروحتها. كما تحاول التقليل من أهمية افتتاح القنصليات ووصفها بأنها خطوات رمزية، مع أن الدبلوماسية الدولية تقوم في جزء كبير منها على الرموز ذات الدلالة القانونية والسياسية.

ولا يمكن تناول استمرار هذا النزاع من دون مساءلة الدور الجزائري. فالجزائر تقدم نفسها رسميًا بوصفها دولة مراقبة أو مؤيدة لمبدأ تقرير المصير، لكنها توفر في الواقع الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري والمالي لجبهة البوليساريو، وتستضيف قيادتها ومخيماتها على أراضيها، وتخصص جزءًا معتبرًا من نشاطها الدبلوماسي لمعارضة الموقف المغربي. ولذلك يصعب التعامل بجدية مع خطابها القائل إنها ليست طرفًا في النزاع. فالطرف الذي يحتضن الجبهة ويمولها ويدافع عن أطروحتها في المنظمات الدولية لا يمكنه أن يطالب الآخرين باعتباره وسيطًا محايدًا.

إن سياسة الجزائر تجاه الصحراء لم تحقق للشعب الجزائري تنمية إضافية ولا اندماجًا مغاربيًا ولا أمنًا إقليميًا. على العكس من ذلك، أسهم النزاع في إغلاق الحدود البرية بين البلدين، وتعطيل بناء اتحاد المغرب العربي، وإهدار فرص اقتصادية هائلة كان من الممكن أن تجعل المنطقة المغاربية تكتلًا قويًا في محيطها الإفريقي والمتوسطي. لقد تحولت القضية، في جانب منها، إلى أداة تستخدمها السلطة الجزائرية في صراعها الجيوسياسي مع المغرب، حتى لو كان ثمن ذلك استمرار معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.

أما الدعاية الإعلامية التابعة للبوليساريو، فتعتمد غالبًا على تضخيم مواقف نواب منفردين أو جمعيات محلية أو مجالس إقليمية في بعض الدول الأوروبية، ثم تقديمها كما لو كانت تحولات رسمية في سياسات تلك الدول. وقد يُصدر نائب فرنسي رسالة، أو تعلن جماعة محلية إيطالية تضامنها مع الجبهة، لكن هذه المواقف لا تمثل بالضرورة موقف الحكومة الفرنسية أو الإيطالية، ولا يمكن مساواتها بموقف دولة رسمي صادر عن رئيس أو حكومة أو وزارة خارجية. فالدبلوماسية لا تقاس بعدد البيانات الحزبية أو العرائض، بل بالمواقف السيادية للدول وقراراتها الرسمية.

وهنا يظهر الفرق بين الدبلوماسية المغربية والدعاية الانفصالية. المغرب يراكم اعترافات ومواقف حكومية وقنصليات واتفاقيات وشراكات اقتصادية، بينما تكتفي البوليساريو غالبًا بتجميع تصريحات هامشية ومحاولة تحويلها إلى انتصارات إعلامية. المغرب يبني موانئ وطرقًا ومناطق صناعية ومؤسسات جامعية ومشاريع للطاقة، بينما تكرر الجبهة خطابًا لم يتغير منذ عقود. المغرب يقدم مقترحًا للحكم الذاتي يضمن لسكان الصحراء إدارة شؤونهم المحلية ضمن السيادة المغربية، بينما لا تقدم البوليساريو ضمانات مقنعة بشأن التعددية السياسية أو التداول الديمقراطي أو مصير المخالفين لها داخل المخيمات.

ولا يعني الدفاع عن الموقف المغربي إنكار ضرورة احترام حقوق الإنسان أو رفض النقد. فالمغرب، مثل جميع الدول، مطالب بمواصلة تطوير مؤسساته وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن استخدام خطاب حقوق الإنسان بطريقة انتقائية لتبرير مشروع انفصالي أمر مختلف تمامًا. لا يجوز تحويل كل ملف قضائي إلى قضية سياسية، كما لا يجوز وصف كل مدان في قضايا عنف أو جرائم جنائية بأنه «سجين سياسي» من دون فحص الوقائع والأحكام والمساطر القانونية.

كما ينبغي توجيه الأسئلة الحقوقية إلى جميع الأطراف، بما في ذلك قيادة البوليساريو والسلطات الجزائرية. فمن المسؤول عن أوضاع سكان مخيمات تندوف؟ ولماذا ما زال إجراء إحصاء دقيق وشفاف للسكان موضع جدل؟ وما مدى حرية التنقل والتعبير والتنظيم داخل المخيمات؟ ومن يراقب توزيع المساعدات الإنسانية؟ إن المصداقية الحقوقية تقتضي طرح هذه الأسئلة بدل توجيه الاتهامات إلى المغرب وحده.

إن مبادرة الحكم الذاتي تكتسب قوتها من كونها تحاول الجمع بين السيادة المغربية والتدبير المحلي الواسع. فهي لا تطلب من سكان الصحراء التخلي عن خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية، بل تمنحهم مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية في إطار الدولة المغربية. وهذا النوع من الحلول ليس غريبًا عن التجارب الدولية، إذ اعتمدت دول عديدة أشكالًا مختلفة من الحكم الذاتي واللامركزية الموسعة لمعالجة الخصوصيات الإقليمية من دون تمزيق سيادتها أو حدودها.

وتؤكد التحولات الجارية أن المجتمع الدولي يتجه تدريجيًا نحو هذا المنطق. فالدول لا تريد نزاعًا أبديًا في منطقة تواجه تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود والتغير المناخي. كما لا ترغب القوى الكبرى في إنشاء كيان ضعيف وغير قابل للاستمرار بين المغرب وموريتانيا والجزائر، يمكن أن يتحول إلى مصدر اضطراب جديد في الساحل والصحراء. من هنا تبدو المبادرة المغربية متوافقة مع الحاجة إلى الاستقرار والاندماج الاقتصادي والأمن الإقليمي.

لقد أخفقت الجزائر والبوليساريو في وقف توسع التأييد الدولي للموقف المغربي. وكلما أصدرتا بيانًا غاضبًا ضد دولة تدعم الحكم الذاتي، جاءت دولة أخرى لتعلن موقفًا مشابهًا أو تفتتح قنصلية جديدة في العيون أو الداخلة. وهذا لا يعني أن الملف قد حُسم نهائيًا في الأمم المتحدة، فالعملية السياسية ما زالت مستمرة، لكن اتجاه التطورات أصبح أكثر وضوحًا: مقترح الحكم الذاتي يتقدم، والأطروحة الانفصالية تتراجع، والأقاليم الجنوبية تندمج أكثر في محيطها الإفريقي والأطلسي والدولي.

إن المغرب لا يدافع فقط عن حدود جغرافية، بل عن مشروع دولة وعن حقه في حماية وحدته الترابية وبناء مستقبل أقاليمه الجنوبية. وقد أثبتت التجربة أن التنمية والاستقرار والانفتاح الدبلوماسي أكثر قدرة على الإقناع من خطابات العداء والانفصال. ولم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الحكم الذاتي مقترحًا جادًا، فقد أصبحت دول مؤثرة تؤكد ذلك صراحة، بل أصبح السؤال هو إلى متى ستستمر الجزائر في تمويل نزاع يعرقل مستقبل المنطقة كلها، وإلى متى ستظل قيادة البوليساريو ترفض قراءة التحولات التي تجري حولها.

إن الحل لا يوجد في إعادة إنتاج حرب باردة انتهى زمنها، ولا في صناعة جمهورية وهمية تعتمد في بقائها على دعم دولة راعية، بل في تسوية سياسية واقعية تحفظ سيادة المغرب وتمنح سكان الصحراء صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم. وتلك هي القوة الأساسية لمبادرة الحكم الذاتي: إنها لا تبني مستقبلها على تقسيم المنطقة، بل على المصالحة بين السيادة والخصوصية، وبين الوحدة والتدبير الديمقراطي المحلي.

ومهما ارتفعت ضوضاء الدعاية المضادة، فإن الوقائع الدبلوماسية على الأرض تظل أكثر بلاغة: دول تعترف بالسيادة المغربية، وقوى دولية تعتبر الحكم الذاتي الحل الأكثر واقعية، وقنصليات تفتح أبوابها في العيون والداخلة، ومشاريع تنموية تغير وجه الأقاليم الجنوبية. في مقابل ذلك، لا تقدم الجزائر والبوليساريو سوى نزاع مفتوح وشعارات متقادمة ووعود بكيان لا تتوافر له شروط الدولة والاستقرار والاستقلال الحقيقي.

لقد اختار المغرب أن يبني ويقنع ويتقدم، بينما اختار خصوم وحدته الترابية أن يكرروا الادعاءات نفسها. وبين البناء والدعاية، بدأت موازين المواقف الدولية تحسم اتجاهها بوضوح متزايد.


0 التعليقات: