هو مُحَمَّدْ شُكْرِي كَاتِبٌ وَرِوَائِيٌّ مَغْرِبِيٌّ بَارِزٌ يُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ أَصْوَاتِ السَّرْدِ الحَدِيثِ فِي المَغْرِبِ وَالعَالَمِ العَرَبِيِّ. وُلِدَ فِي 15 يُولْيُوز 1935 بِقَرْيَةِ بَنِي شِيكَر بِإِقْلِيمِ النَّاظُور شِمَالَ المَغْرِبِ، وَتُوُفِّي فِي 15 نُونَبْر 2003 بَعْدَ مَرَضٍ طَوِيلٍ. عُرِفَ بِكِتَابَاتِهِ الجَرِيئَةِ الَّتِي صَوَّرَتْ حَيَاةَ الهَامِشِ وَالْفَقْرِ وَالتَّشَرُّدِ فِي مُجْتَمَعِهِ دُونَ تَزْوِيقٍ أَوْ مُجَامَلَةٍ.
عَاشَ شُكْرِي طُفُولَةً قَاسِيَةً فِي جِبَالِ الرِّيفِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مَعَ أُسْرَتِهِ الفَقِيرَةِ إِلَى مَدِينَةِ طَنْجَة، حَيْثُ عَرَفَ أَشْكَالًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الحِرْمَانِ وَالعُنْفِ العَائِلِيِّ، وَاضْطُرَّ فِي صِغَرِهِ إِلَى العَمَلِ فِي مِهَنٍ بَسِيطَةٍ مِثْلَ بَيْعِ الصُّحُفِ وَمَسْحِ الأَحْذِيَةِ وَحَمْلِ الأَمْتِعَةِ. وَلَمْ يَتَعَلَّمِ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ إِلَّا فِي سِنِّ العِشْرِينَ، لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ انْصَرَفَ إِلَى التَّعَلُّمِ وَالأَدَبِ حَتَّى أَصْبَحَ مُدَرِّسًا وَكَاتِبًا مَعْرُوفًا.
اِكْتَسَبَ
شُهْرَتَهُ العَالَمِيَّةَ بِفَضْلِ رِوَايَتِهِ السِّيرِيَّةِ «الخُبْزُ الحَافِي» الَّتِي كَتَبَهَا فِي سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ. وَتُعَدُّ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَحَدَ أَشْهَرِ النُّصُوصِ فِي الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ،
وَقَدْ تُرْجِمَتْ إِلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ العَالَمِيَّةِ،
لَكِنَّهَا أَثَارَتْ جَدَلًا كَبِيرًا فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ بِسَبَبِ
جُرْأَتِهَا فِي تَصْوِيرِ الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّجَارِبِ
الإِنْسَانِيَّةِ القَاسِيَةِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى مَنْعِهَا لِفَتْرَةٍ فِي
بَعْضِ البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ.
وَتَدْخُلُ
«الخُبْزُ الحَافِي» ضِمْنَ ثُلَاثِيَّةٍ سِيرِيَّةٍ تَضُمُّ أَيْضًا رِوَايَتَيْ «زَمَنُ الأَخْطَاءِ» وَ**«وُجُوه»،
إِلَى جَانِبِ أَعْمَالٍ أُخْرَى مِثْلَ «مَجْنُونُ الوَرْد» وَ«الخَيْمَة»
وَ«السُّوقُ الدَّاخِلِي». وَقَدْ عُرِفَ شُكْرِي أَيْضًا بِعَلَاقَاتِهِ
الأَدَبِيَّةِ مَعَ كُتَّابٍ عَالَمِيِّينَ أَقَامُوا فِي طَنْجَة مِثْلَ بُولْ
بَوْلْز وَجَانْ
جِينِيه** وَتِنِّيسِي وِيلْيَامْز،
الَّذِينَ اهْتَمُّوا بِتَرْجَمَةِ أَعْمَالِهِ وَالتَّعْرِيفِ بِهَا فِي الغَرْبِ.
وَيُعَدُّ
مُحَمَّدْ شُكْرِي اليَوْمَ مِنْ أَبْرَزِ رُوَّادِ الأَدَبِ المَغْرِبِيِّ
الحَدِيثِ، حَيْثُ تَمَيَّزَ أُسْلُوبُهُ بِالصِّدْقِ وَالقُدْرَةِ عَلَى
تَحْوِيلِ التَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ القَاسِيَةِ إِلَى نَصٍّ أَدَبِيٍّ
عَالَمِيٍّ يَكْشِفُ عَنِ العَالَمِ السِّرِّيِّ لِلمُهَمَّشِينَ وَالفُقَرَاءِ
فِي المُجْتَمَعِ.
الخُبْزُ الحَافِي… صَرْخَةُ
الجُوعِ فِي ذَاكِرَةِ الأَدَبِ المَغْرِبِيّ مقالة من إنجاز الكاتب عبدو حقي
أَصْدِقَائِي مُتَابِعِي صَفْحَتِي الأَعِزَّاء،
نَفْتَحُ اليَوْمَ مَعًا صَفْحَةً جَدِيدَةً مِنْ
سِلْسِلَةِ التَّعْرِيفِ بِأَشْهَرِ الكُتُبِ وَالرِّوَايَاتِ فِي العَالَمِ
العَرَبِيِّ، وَنَقِفُ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ
العَرَبِيَّةِ جُرْأَةً وَإِثَارَةً لِلْجَدَلِ فِي التَّارِيخِ الأَدَبِيِّ
الحَدِيثِ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الخُبْزُ الحَافِي» لِلرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ الكَبِيرِ مُحَمَّدْ
شُكْرِي.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ
سَرْدِيٍّ عَادِيٍّ، بَلْ هِيَ نَصٌّ أَدَبِيٌّ يَخْتَلِطُ فِيهِ الأَدَبُ
بِالسِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَالْحَيَاةُ الشَّخْصِيَّةُ بِالتَّارِيخِ
الاجْتِمَاعِيِّ لِلمَغْرِبِ فِي مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرِينَ.
تَعُودُ قِصَّةُ كِتَابَةِ «الخُبْزِ الحَافِي»
إِلَى أَوَائِلِ سَبْعِينِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرِينَ، حَيْثُ كَتَبَهَا
مُحَمَّدْ شُكْرِي بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ سَنَةَ 1972، قَبْلَ أَنْ تُتَرْجَمَ
إِلَى اللُّغَةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ سَنَةَ 1973 عَلَى يَدِ الكَاتِبِ
الأَمْرِيكِيِّ بُولْ بَوْلْز، ثُمَّ تُرْجَمَتْ إِلَى اللُّغَةِ
الفَرَنْسِيَّةِ عَلَى يَدِ الرِّوَائِيِّ المَغْرِبِيِّ الطَّاهِر بْن جَلُّون. أَمَّا النُّسْخَةُ
العَرَبِيَّةُ فَلَمْ تَصْدُرْ رَسْمِيًّا إِلَّا سَنَةَ 1982 بَعْدَ أَنْ
أَثَارَتْ الرِّوَايَةُ جَدَلًا كَبِيرًا بِسَبَبِ جُرْأَةِ مَوَاضِيعِهَا.
تَحْكِي الرِّوَايَةُ قِصَّةَ طُفُولَةِ مُحَمَّدْ
شُكْرِي نَفْسِهِ، وَهِيَ طُفُولَةٌ قَاسِيَةٌ نَمَتْ فِي ظِلِّ الفَقْرِ
وَالجُوعِ وَالعُنْفِ العَائِلِيِّ. وُلِدَ البَطَلُ فِي قَرْيَةٍ فَقِيرَةٍ فِي
جِبَالِ الرِّيفِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مَعَ أُسْرَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ طَنْجَة
بَحْثًا عَنْ حَيَاةٍ أَفْضَل، لَكِنَّ الأَمْلَ لَمْ يَتَحَقَّقْ. فَقَدْ كَانَتِ
الحَيَاةُ فِي المَدِينَةِ أَيْضًا مَمْلُوءَةً بِالجُوعِ وَالفَقْرِ وَالصِّرَاعِ
مِنْ أَجْلِ البَقَاءِ.
وَيَصِفُ شُكْرِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَالَمًا
قَاسِيًا يَعِيشُ فِيهِ الأَطْفَالُ وَالشَّبَابُ عَلَى هَامِشِ المُجْتَمَعِ،
حَيْثُ يَضْطَرُّونَ أَحْيَانًا إِلَى التَّسَوُّلِ أَوِ العَمَلِ فِي أَعْمَالٍ
شَاقَّةٍ لِتَأْمِينِ قُوتِهِمُ اليَوْمِيِّ. وَفِي سِيَاقِ هَذَا الصِّرَاعِ،
يَكْتَشِفُ القَارِئُ حَيَاةَ الشَّوَارِعِ وَالعَالَمَ الخَفِيَّ لِلمُهَمَّشِينَ
فِي مَدِينَةِ طَنْجَة، بِمَا فِيهِ مِنْ بُؤْسٍ وَتَشَرُّدٍ وَعُنْفٍ وَحُلْمٍ
بِالخَلَاصِ.
وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا يُمَيِّزُ «الخُبْزَ
الحَافِي» هُوَ صِدْقُهُ الصَّادِمُ. فَالرِّوَايَةُ لَا تُجَمِّلُ الوَاقِعَ،
بَلْ تَعْرِضُهُ كَمَا هُوَ، بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ قَسْوَةٍ وَفَوْضَى. لِذَلِكَ
أَثَارَتْ ضَجَّةً كَبِيرَةً فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ، وَتَعَرَّضَتْ لِلْمَنْعِ
فِي بَعْضِ البُلْدَانِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بِسَبَبِ تَنَاوُلِهَا مَوَاضِيعَ
حَسَّاسَةً مِثْلَ الفَقْرِ المُدْقِعِ وَالانْحِرَافِ وَتَجَارِبِ الطُّفُولَةِ
القَاسِيَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الجُرْأَةَ
نَفْسَهَا هِيَ الَّتِي جَعَلَتِ الرِّوَايَةَ تَحْتَلُّ مَكَانَةً خَاصَّةً فِي
الأَدَبِ العَرَبِيِّ الحَدِيثِ. فَقَدْ اعْتَبَرَهَا بَعْضُ النُّقَّادِ
وَثِيقَةً أَدَبِيَّةً نَادِرَةً تُصَوِّرُ حَيَاةَ الفُقَرَاءِ وَالمُهَمَّشِينَ
فِي المَغْرِبِ خِلَالَ فَتْرَةٍ مُهِمَّةٍ مِنْ تَارِيخِهِ، خُصُوصًا فِي ظِلِّ
الفَقْرِ وَآثَارِ الاِسْتِعْمَارِ وَالاضْطِرَابِ الاجْتِمَاعِيِّ فِي تِلْكَ
الفَتْرَةِ.
وَقَدْ حَقَّقَتِ الرِّوَايَةُ نَجَاحًا
عَالَمِيًّا لَافِتًا، حَيْثُ تُرْجِمَتْ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ تِسْعٍ
وَثَلَاثِينَ لُغَةً، وَأَصْبَحَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَشْهَرِ الأَعْمَالِ
الأَدَبِيَّةِ المَغْرِبِيَّةِ فِي العَالَمِ. وَقَدْ وَصَفَهَا بَعْضُ الكُتَّابِ
الغَرْبِيِّينَ بِأَنَّهَا «وَثِيقَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ صَادِمَةٌ عَنِ اليَأْسِ
وَالصِّرَاعِ مِنْ أَجْلِ البَقَاءِ».
وَلَا تَتَوَقَّفُ أَهَمِّيَّةُ «الخُبْزِ
الحَافِي» عِنْدَ حُدُودِ هَذَا الجُزْءِ الأَوَّلِ فَقَط، فَقَدْ شَكَّلَتِ
الرِّوَايَةُ البِدَايَةَ لِثُلَاثِيَّةٍ سِيرِيَّةٍ أَكْمَلَهَا مُحَمَّدْ
شُكْرِي فِيمَا بَعْدُ بِرِوَايَتَيْ «زَمَنُ الأَخْطَاءِ» وَ**«وُجُوه»**، وَفِيهِمَا يَسْتَمِرُّ الكَاتِبُ
فِي رِوَايَةِ رِحْلَتِهِ مِنْ الهَامِشِ وَالفَقْرِ إِلَى عَالَمِ القِرَاءَةِ
وَالمَعْرِفَةِ وَالكِتَابَةِ.
إِنَّ قِصَّةَ «الخُبْزِ الحَافِي» فِي الحَقِيقَةِ
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَّةِ فَتًى فَقِيرٍ فِي أَزِقَّةِ طَنْجَة، بَلْ هِيَ
قِصَّةُ إِنْسَانٍ قَاوَمَ الجُوعَ وَالأُمِّيَّةَ وَالعُنْفَ لِيَصْنَعَ مِنْ
كَلِمَاتِهِ أَدَبًا يَقْرَؤُهُ العَالَمُ كُلُّهُ. وَهُنَا تَكْمُنُ رَوْعَةُ
هَذَا العَمَلِ: فَهُوَ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الأَدَبَ أَحْيَانًا يُولَدُ مِنْ
أَعْمَقِ الجِرَاحِ الإِنْسَانِيَّةِ.
وَهَكَذَا بَقِيَتْ رِوَايَةُ «الخُبْزِ الحَافِي»
إِلَى اليَوْمِ وَاحِدَةً مِنْ أَقْوَى الشَّهَادَاتِ الأَدَبِيَّةِ عَلَى زَمَنٍ
كَانَ فِيهِ الجُوعُ أَكْثَرَ بَلَاغَةً مِنَ الخُطَبِ، وَكَانَ فِيهِ الكِتَابُ
وَسِيلَةً لِلخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الحَيَاةِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق