الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 15، 2026

سرديات متضاربة في زمن الحقيقة الهشة: عبده حقي

 


تتناسل السرديات كما تتكاثر الظلال في زمن الغروب. كل خبرٍ يُولد اليوم، يولد معه نقيضه، وكل تصريحٍ رسمي يجد لنفسه تأويلاً موازياً، يتسلل إلى وعي الجمهور عبر قنوات غير مرئية، لكنه شديد التأثير. هكذا تتحول المنصات الإعلامية، في كثير من الأحيان، من فضاءات للتنوير إلى مسارح لتنازع المعاني، حيث تختلط الحقيقة بالشبهة، والوقائع بالافتراضات.

في قلب هذه الفوضى، تبرز خطابات مشحونة بمفاهيم كبرى من قبيل "الديكتاتورية" و"تركيز السلطة"، وهي مفاهيم ذات حمولة سياسية وثقافية ثقيلة، تُستدعى أحيانًا خارج سياقها الدقيق، لتُستثمر في بناء سرديات مثيرة للجدل. لا يتعلق الأمر هنا بنقاش فكري مشروع حول طبيعة الأنظمة السياسية، بل بتوظيف هذه المفاهيم في سياقات إعلامية مشوشة، تُسقطها على أحداث عالمية بطريقة توحي بوجود خيوط خفية تحرك العالم من وراء الستار.

ومن بين أكثر هذه السرديات إثارة، تلك التي تربط بين شخصيات دولية بارزة، وأحداث كونية كجائحة كوفيد-19، في صيغة توحي بوجود إدارة سرية للأزمات. أسماء مثل بيل غيتس وجيفري إبستين تُستدعى في هذا السياق، ليس باعتبارها موضوعًا لتحليل موثق، بل كعناصر داخل حبكة شبه روائية، تُبنى على الإيحاء أكثر مما تُبنى على الأدلة. ويزداد الأمر تعقيدًا حين يُنسب هذا الطرح إلى مصادر إعلامية مرموقة، مثل مجلة "الإيكونوميست"، دون تقديم أي سند موثوق يؤكد صحة هذا النسب.

إننا أمام ظاهرة إعلامية تستحق التأمل: إعادة إنتاج الأخبار عبر آليات التلاعب بالسياق. فالمعلومة لا تُفبرك دائمًا من العدم، بل يُعاد تركيبها، تُقتطع من سياقها، وتُلبس لبوسًا جديدًا، يجعلها تبدو وكأنها حقيقة مكتملة. وهنا تكمن الخطورة، لأن المتلقي لا يواجه كذبة صريحة، بل سردية مشوهة، يصعب تفكيكها دون جهد نقدي واعٍ.

في هذا المناخ، تتراجع الحدود الفاصلة بين الصحافة المهنية والمحتوى الشعبوي، ويُصبح من السهل تمرير ادعاءات خطيرة تحت غطاء الحرية الإعلامية. غير أن حرية التعبير، في جوهرها، لا تعني الانفلات من المسؤولية، بل تقتضي التزامًا أخلاقيًا بالتحقق، وباحترام ذكاء الجمهور، الذي لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل فاعل في إنتاج المعنى وتداوله.

كما أن استدعاء مفاهيم مثل "الصدمة" و"المفاجأة" في توصيف هذه الادعاءات، يُسهم في خلق حالة من التوتر المعرفي، تُضعف قدرة المتلقي على التمييز بين ما هو موثق وما هو مفبرك. فالإثارة، في هذا السياق، تتحول إلى أداة للتأثير، لا إلى وسيلة للإخبار.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام اليوم، لا يكمن فقط في سرعة نقل الخبر، بل في قدرته على صيانته من التشويه. فكل خبرٍ غير موثق، وكل ادعاءٍ غير مدعوم، يُسهم في تقويض الثقة، لا فقط في الوسيلة الإعلامية، بل في فكرة الحقيقة ذاتها.

في زمن تتعدد فيه الأصوات وتتنافس فيه السرديات، لا يبقى للقارئ سوى أن يتحصن بوعي نقدي، يُمكّنه من التمييز بين الخبر والرواية، بين المعلومة والتأويل. أما الصحافة، فإنها مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة دورها كحارس للحقيقة، لا كناقلٍ للضجيج.


0 التعليقات: