صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية، يوم الثالث عشر من أبريل من هذا العام، على نسخةٍ معدَّلة من مشروع قانون يتعلق باسترجاع الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية. وهي من دون شك خطوةٌ تحمل في ظاهرها بُعدًا أخلاقيًا، لكنها في عمقها تنطوي على تعقيدات سياسية وقانونية لا تقلّ تشابكًا عن ذاكرة الاستعمار نفسها.
لا يتعلق الأمر هنا بمجرد نصٍّ قانوني عابر، بل بمحاولةٍ لإعادة ترتيب علاقة فرنسا بماضيها الإمبراطوري. فالقانون الجديد يهدف إلى إطلاق دينامية أوسع لعمليات الاسترجاع، من خلال تمكين الحكومة من إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية عبر مراسيم تنفيذية، بدل المرور بإجراءات تشريعية معقدة لكل حالة على حدة. غير أن هذه المرونة الظاهرية تخفي قيودًا صارمة، إذ لا يفتح النص الباب على مصراعيه أمام الدول المطالِبة، بل يضع مسارات دقيقة ومراقبة تجعل من كل عملية استرجاع ملفًا بيروقراطيًا ثقيلًا، يخضع لتقييم لجان علمية وإدارية متعددة. وهنا يتجلى التناقض الفرنسي: رغبةٌ في الاعتراف، يقابلها خوفٌ من الانزلاق نحو مساءلة شاملة للماضي.
ومن الناحية الزمنية، يحدد القانون نطاقه بين
عامي ألفٍ وثمانمائةٍ وخمسة عشر، وألفٍ وتسعمائةٍ واثنين وسبعين، أي من نهاية
الحقبة النابليونية إلى اعتماد اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية الممتلكات
الثقافية. هذا التحديد ليس بريئًا، بل يعكس محاولة لضبط المسؤولية التاريخية ضمن
حدودٍ قانونية قابلة للتحكم. إنه قانون لا يذكر صراحةً الاستعمار كجريمة، بل يلتفّ
عليه بمصطلحات تقنية مثل “الاستحواذ غير المشروع”، في محاولة لإنتاج خطابٍ متوازن
بين الاعتراف والإنكار. وقد وصفت وزيرة الثقافة الفرنسية النص بأنه قانون مسؤوليةٍ
وحقيقة، لا ينتمي إلى خطاب التوبة بقدر ما يسعى إلى تهدئة الذاكرة. غير أن السؤال
الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يمكن للذاكرة أن تهدأ دون عدالة كاملة؟
ورغم أن القانون حظي بإجماعٍ شبه كامل داخل
الجمعية الوطنية، فإن هذا الإجماع يخفي اختلافاتٍ جوهرية في الرؤية. فبين تياراتٍ
ترى في الاسترجاع واجبًا أخلاقيًا لا يقبل التأجيل، وأخرى تعتبره تنازلًا سياسيًا
قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها، يتجسد الصراع الحقيقي حول معنى التراث ومن يملك
شرعيته. وقد كشف النقاش البرلماني عن اتجاهين متقابلين: اتجاه يدعو إلى تسريع
عمليات الاسترجاع بوصفها جزءًا من العدالة التاريخية، واتجاه آخر يطالب بضماناتٍ
صارمة، من بينها التزام الدول المستفيدة بالحفاظ على هذه الممتلكات بعد استعادتها.
وبذلك، لا يتعلق القانون فقط بإعادة الأشياء إلى أماكنها الأصلية، بل بإعادة تعريف
العلاقة بين المالك والموروث، وبين السلطة الثقافية والذاكرة الجماعية.
ولا يمكن فهم هذا القانون خارج سياق الضغوط
المتزايدة من الدول الأفريقية، التي تطالب منذ سنوات باستعادة تراثها المنهوب.
فآلاف القطع الفنية، من تماثيل وأقنعة ومخطوطات، لا تزال محفوظة في المتاحف
الأوروبية، وخاصة الفرنسية، شاهدةً على تاريخٍ من الاقتلاع الثقافي. وقد جاء هذا
التشريع امتدادًا لوعدٍ سابق قطعه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنة ألفين وسبعة
عشر في واغادوغو، حين أعلن أن التراث الأفريقي يجب أن يعود إلى أفريقيا. غير أن
الواقع يكشف أن الطريق لا يزال طويلًا، إذ يرى منتقدون أن القانون، رغم أهميته
الرمزية، يظل محدود الأثر، ولا يرقى إلى مستوى التوقعات الأفريقية التي تنظر إلى
الاسترجاع بوصفه جزءًا من عمليةٍ أوسع تشمل الاعتراف والتعويض وإعادة الاعتبار.
وفي العمق، يطرح هذا القانون سؤالًا يتجاوز
حدود إعادة القطع الفنية: هل يمكن إصلاح جرح التاريخ عبر إجراءاتٍ قانونية؟ إن
استرجاع الممتلكات الثقافية ليس فعلًا ماديًا فحسب، بل هو إعادة كتابةٍ للذاكرة
الجماعية. فكل قطعة تعود إلى موطنها الأصلي تحمل معها قصة اقتلاع، وتعيد فتح نقاشٍ
واسع حول العدالة والهوية والسيادة الثقافية. وقد أصبح هذا الملف جزءًا من نقاشٍ
عالمي أوسع حول العدالة الثقافية، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، والقانون
بالأخلاق، في محاولة لإعادة التوازن لعالمٍ لا تزال آثاره الاستعمارية حاضرةً فيه
بقوة.
في النهاية، يبدو هذا القانون كأنه رسالة
مزدوجة: اعترافٌ متردد، وعدالةٌ مؤجلة. إنه خطوةٌ إلى الأمام، لكنها خطوة محسوبة،
تتحرك بحذر فوق أرضٍ مثقلة بالأشباح. ففرنسا، التي حملت يومًا آثار الآخرين إلى
متاحفها، تجد نفسها اليوم مطالبةً بإعادة تلك الآثار إلى أصحابها، لا كمنحةٍ أو
هبة، بل كحقٍ تاريخي مشروع. غير أن التاريخ، كما نعلم، لا يُعاد بسهولة، ولا تُمحى
آثاره بمراسيم.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام
بداية نهاية زمن النهب، أم مجرد فصلٍ جديد من إدارة الذاكرة؟ في هذا التردد ذاته،
وفي هذه المسافة بين الاعتراف والفعل، يكمن جوهر الحكاية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق