الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 04، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في الآداب العالمي رواية (البؤساء ) إعداد عبده حقي


يُعَدُّ فيكتورهيغو مِنْ أَعْظَمِ أُدَبَاءِ فِرَنْسَا وَأَبْرَزِ رُمُوزِ الأَدَبِ الرُّومَانْسِيِّ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ. وُلِدَ فِي 26 فِبْرَايِرَ 1802 بِمَدِينَةِ بِزَانْسُونْ، وَتُوُفِّيَ فِي 22 مَايُو 1885 بِبَارِيسَ، بَعْدَ مَسِيرَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ حَافِلَةٍ جَعَلَتْ مِنْهُ صَوْتًا إِنْسَانِيًّا عَالَمِيًّا .

اِشْتَهَرَ هُوغُو بِتَعَدُّدِ مَوَاهِبِهِ، فَكَانَ شَاعِرًا وَرِوَائِيًّا وَمَسْرَحِيًّا وَصَحَافِيًّا، وَكَذَلِكَ سِيَاسِيًّا مُلْتَزِمًا دَافَعَ عَنْ قَضَايَا الإِنْسَانِ، خُصُوصًا ضِدَّ عُقُوبَةِ الإِعْدَامِ وَالْعُبُودِيَّةِ . وَيُعْتَبَرُ مِنْ أَهَمِّ قَادَةِ الحَرَكَةِ الرُّومَانْسِيَّةِ فِي فِرَنْسَا، حَيْثُ أَسْهَمَتْ أَعْمَالُهُ فِي تَجْدِيدِ الشِّعْرِ وَالمَسْرَحِ وَالرِّوَايَةِ 

مِنْ أَشْهَرِ أَعْمَالِهِ الرِّوَائِيَّةِ: "أَحْدَبُ نُوتْرِ دَام" (1831) وَ"البُؤَسَاء" (1862)، وَهُمَا رِوَايَتَانِ خَالِدَتَانِ جَعَلَتَاهُ كَاتِبًا شَعْبِيًّا يُجَسِّدُ مَعَانَاةَ الإِنْسَانِ وَصِرَاعَهُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْفَقْرِ . كَمَا بَرَزَ فِي الشِّعْرِ مِنْ خِلَالِ دَوَاوِينِهِ مِثْلَ "التَّأَمُّلَات" وَ*"أُسْطُورَةُ القُرُونِ"*، الَّتِي تَمِزُجُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْكَوْنِيِّ فِي لُغَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَمِيقَةٍ .

لَمْ يَكُنْ هُوغُو مُجَرَّدَ أَدِيبٍ، بَلْ كَانَ مُفَكِّرًا وَمُنَاضِلًا، تَطَوَّرَتْ مَوَاقِفُهُ مِنَ المَلَكِيَّةِ إِلَى الدِّفَاعِ عَنِ الجُمْهُورِيَّةِ، وَشَارَكَ فِي الحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ نَائِبًا وَسِينَاتُورًا . وَقَدْ مَنَحَهُ الشَّعْبُ الفِرَنْسِيُّ مَكَانَةً رَمْزِيَّةً كُبْرَى، حَيْثُ شُيِّعَ جَنَازُهُ فِي مَوْكِبٍ مَهِيبٍ حَضَرَهُ مِلَايِينُ النَّاسِ، وَدُفِنَ فِي البَانْثِيُونِ بِبَارِيسَ .

وَهَكَذَا يَبْقَى فِيكْتُورُ هُوغُو صَوْتًا أَدَبِيًّا مُتَجَدِّدًا، جَمَعَ بَيْنَ جَمَالِيَّةِ الإِبْدَاعِ وَقَلَقِ الاِلْتِزَامِ، فَكَتَبَ لِلإِنْسَانِ، وَعَنِ الإِنْسَانِ، وَفِي سَبِيلِ الإِنْسَانِ.

تُعَدُّ رِوَايَةُ «البُؤَسَاءِ» لِلأَدِيبِ الفِرَنْسِيِّ فيكتور هوغو نَصًّا مَفْصَلِيًّا فِي تَارِيخِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ، لَيْسَ فَقَطْ بِوَصْفِهَا حِكَايَةً سَرْدِيَّةً، بَلْ بِاعْتِبَارِهَا مَشْرُوعًا أَخْلَاقِيًّا وَفِكْرِيًّا يَسْتَجْوِبُ مَعْنَى الإِنْسَانِ فِي عَالَمٍ مَشْحُونٍ بِالظُّلْمِ وَالفَقْرِ. صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1862، وَجَاءَتْ كَمَلْحَمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تَتَتَبَّعُ مَصَائِرَ شَخْصِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي فِرَنْسَا القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ .

تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِحِكَايَةِ جَانْ فَالْجَانْ، ذَلِكَ السَّجِينِ السَّابِقِ الَّذِي قَضَى تِسْعَ عَشْرَةَ عَامًا فِي السِّجْنِ بِسَبَبِ سَرِقَةِ رَغِيفِ خُبْزٍ، فِي مَشْهَدٍ يُجَسِّدُ قَسْوَةَ القَانُونِ وَتَنَاقُضَهُ مَعَ الحَاجَةِ الإِنْسَانِيَّةِ . وَمِنْ هُنَا، يُؤَسِّسُ هُوغُو لِسُؤَالٍ جَوْهَرِيٍّ: هَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يُوَلَدَ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ تُدَمِّرَهُ المُؤَسَّسَاتُ؟

إِنَّ اللَّحْظَةَ الفَارِقَةَ فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ هِيَ لَحْظَةُ اللِّقَاءِ بَيْنَ فَالْجَانْ وَالأُسْقُفِ مِيرِيَال، حَيْثُ تَنْتَصِرُ الرَّحْمَةُ عَلَى القَانُونِ، وَيَتَحَوَّلُ الفِعْلُ الأَخْلَاقِيُّ إِلَى قُوَّةٍ مُحَرِّكَةٍ لِلتَّارِيخِ الشَّخْصِيِّ. فَهُوغُو لا يَكْتُبُ رِوَايَةً عَنْ الجَرِيمَةِ وَالعِقَابِ، بَلْ عَنْ الخَلاَصِ وَإِمْكَانِ التَّغَيُّرِ.

وَفِي مُقَابِلِ هَذَا التَّحَوُّلِ الرُّوحِيِّ، يَقِفُ شَخْصُ جَافِيرْ، رَمْزُ القَانُونِ الصَّارِمِ الَّذِي لا يَعْتَرِفُ بِالرَّحْمَةِ. إِنَّهُ تَجْسِيدٌ لِمَأْزِقِ الحَدَاثَةِ القَانُونِيَّةِ: حَيْثُ يَتَحَوَّلُ القَانُونُ إِلَى أَدَاةِ قَمْعٍ، وَتُصْبِحُ العَدَالَةُ نَقِيضًا لِلإِنْصَافِ. وَهُنَا تَبْلُغُ الرِّوَايَةُ ذُرْوَتَهَا الفَلْسَفِيَّةَ عِنْدَمَا يَعْجِزُ جَافِيرْ عَنْ فَهْمِ عَمَلِ الرَّحْمَةِ، فَيَنْهَارُ أَمَامَ تَنَاقُضِهِ الدَّاخِلِيِّ.

لا تَقِفُ «البُؤَسَاءُ» عِنْدَ حُدُودِ الحِكَايَةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ تَنْفَتِحُ عَلَى لَوْحَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَاسِعَةٍ تَشْمَلُ الفَقْرَ، وَالتَّهْمِيشَ، وَمَأْسَاةَ المَرْأَةِ مِنْ خِلَالِ شَخْصِيَّةِ فَانْتِين، وَبُرَاءَةَ الطُّفُولَةِ فِي كُوزِيتْ، وَحُلْمَ الثَّوْرَةِ فِي شَخْصِيَّةِ مَارِيُوس. وَتَتَقَاطَعُ هَذِهِ المَصَائِرُ فِي نَسِيجٍ سَرْدِيٍّ يُجَسِّدُ بُؤْسَ المُجْتَمَعِ وَتَفَكُّكَهُ .

إِنَّ قُوَّةَ الرِّوَايَةِ تَكْمُنُ فِي كَوْنِهَا نَصًّا مُرَكَّبًا يَجْمَعُ بَيْنَ الرُّومَانْسِيَّةِ وَالوَاقِعِيَّةِ وَالمَلْحَمِيَّةِ. فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ رِوَايَةُ عَاطِفَةٍ وَحُبٍّ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَثِيقَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ تَكْشِفُ عَنِ الفَوَارِقِ الطَّبَقِيَّةِ وَقَسْوَةِ الحَيَاةِ فِي فِرَنْسَا . كَمَا أَنَّهَا مَلْحَمَةٌ تَارِيخِيَّةٌ تَتَخِذُ مِنْ أَحْدَاثِ 1832 خَلْفِيَّةً دِرَامِيَّةً لِتَأَمُّلِ مَعْنَى الثَّوْرَةِ وَالفِدَاءِ.

وَبِأُسْلُوبٍ يُشْبِهُ نَبْضَ الضَّمِيرِ، يَكْتُبُ هُوغُو نَصًّا يُدَافِعُ عَنِ الفُقَرَاءِ وَالمُهَمَّشِينَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي «المُجْرِمِينَ»، بَلْ فِي النِّظَامِ الَّذِي يُنْتِجُ البُؤْسَ. وَهُوَ مَا يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ صَالِحَةً لِكُلِّ زَمَانٍ، إِذْ تَبْقَى أَسْئِلَتُهَا حَيَّةً فِي وَجْهِ العَالَمِ المُعَاصِرِ.

هَكَذَا، تَتَحَوَّلُ «البُؤَسَاءُ» إِلَى مِرْآةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ كُبْرَى، تَكْشِفُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ مَحْكُومًا بِمَاضِيهِ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ قَادِرَةٌ عَلَى إِعَادَةِ صِيَاغَةِ القَدَرِ. وَفِي ذَلِكَ، يَكْمُنُ سِرُّ خُلُودِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.



0 التعليقات: