الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مايو 12، 2026

الجزائرُ تُراكمُ الأزماتِ فوقَ خرائطِ الإنهاكِ السياسيِّ: عبده حقي


أتابعُ كمواطن مغاربي المشهدَ السياسيَّ والإعلاميَّ في الجزائر، وكلما اعتقدتُ أنَّ السلطةَ هناك بلغتْ أقصى درجاتِ التناقض، أكتشفُ أنَّ الواقعَ أكثرُ عبثيةً ممّا يُتداولُ في نشرات الأخبار وخطاباتِ الجنرالات. لم تعدِ الأزمةُ في الجزائر أزمةَ اقتصادٍ أو دبلوماسيةٍ أو صراعِ أجنحةٍ داخلَ النظام فقط، بل تحوّلتْ إلى مأساةِ دولةٍ تخافُ من الحقيقةِ أكثرَ مما تخافُ من أعدائها. دولةٌ تُحاصرُ أصواتَها النزيهة، وتُراكمُ الخصوماتِ الخارجية، ثم تُغرقُ شعبَها في ضجيجِ الدعايةِ والشعاراتِ الجوفاء.

شدَّ انتباهي أخيراً ذلكَ الجدلُ الذي رافقَ جنازةَ العميدِ المتقاعدِ سعد الدين الباهي، والتي اعتبرتها أصواتٌ جزائريةٌ كثيرةٌ جنازةً صامتةً لضابطٍ اختارَ أن يحتفظَ بقدرٍ من الكرامةِ وسطَ مؤسسةٍ عسكريةٍ تحوّلتْ إلى مركزِ القرارِ الحقيقيِّ في البلاد. لقد تداولتْ منصاتٌ إعلاميةٌ جزائريةٌ ومغاربيةٌ أخباراً تتحدثُ عن تجاهلٍ رسميٍّ واضحٍ للجنازة، وعن غيابِ التكريمِ الذي يليقُ برجلٍ خدمَ المؤسسةَ العسكريةَ سنواتٍ طويلة.

ولستُ هنا بصددِ تمجيدِ الأشخاص، بل أتوقفُ عندَ رمزيةِ المشهد. فالدولُ التي تُهينُ أبناءَها المختلفين معها في الرأي أو السلوك أو النزاهة، إنما تُرسلُ رسالةَ خوفٍ إلى بقيةِ الضباطِ والمسؤولين: لا مكانَ داخلَ المنظومةِ إلا للطاعةِ العمياء. لهذا بدتْ جنازةُ الرجل، في نظرِ كثيرين، وكأنها درسٌ قاسٍ لكلِّ من يحاولُ أن يحتفظَ بمسافةٍ أخلاقيةٍ بينه وبينَ مراكزِ النفوذِ الغامضة.

الأدهى من ذلك أنَّ السلطةَ الجزائريةَ تبدو اليوم مرتبكةً حتى في علاقتها بحليفِها التقليدي، أي جبهة البوليساريو. ففي الوقتِ الذي ظلَّ فيه الإعلامُ الجزائريُّ الرسميُّ لعقودٍ يصنعُ من هذه الجبهةِ قضيةً مركزيةً في خطابِه السياسي، بدأتْ تظهرُ في الأسابيعِ الأخيرةِ مؤشراتُ توترٍ واضحةٍ بين الطرفين. تداولتْ تقاريرٌ وفيديوهاتٌ أخباراً عن منعِ الجيشِ الجزائريِّ لعناصرَ من البوليساريو من الاقترابِ من المنطقةِ العازلة، وسطَ احتجاجاتٍ وتذمّرٍ داخلَ المخيمات.

ما الذي تغيّر؟ الذي تغيّر ببساطةٍ أنَّ الجزائرَ بدأتْ تدركُ أنَّ اللعبَ بورقةِ التوترِ الإقليميِّ لم يعدْ مربحاً كما كان في السابق. فالعالمُ يتحوّلُ بسرعة، وموازينُ القوى الدوليةُ لم تعدْ تسمحُ بسياساتِ الحربِ الباردةِ القديمة. لذلك صارَ النظامُ الجزائريُّ ممزقاً بين خطابٍ متشددٍ موجَّهٍ للاستهلاكِ الداخلي، وبينَ خوفٍ حقيقيٍّ من انفلاتِ الوضعِ الأمنيِّ في المنطقة.

لكنَّ المفارقةَ الساخرةَ أنَّ قيادةَ البوليساريو نفسها بدأتْ تُحرجُ الجزائرَ أمامَ المجتمعِ الدولي. فإبراهيم غالي، في رسالتِه الأخيرةِ إلى الأممِ المتحدة، لم يكتفِ بالتصعيدِ ضدَّ المغرب، بل ذهبَ إلى خطابٍ يوحي وكأنَّ المنطقةَ على حافةِ مواجهةٍ مفتوحة. وأنا أقرأُ مضمونَ تلك الرسالةِ شعرتُ أنَّ الجزائرَ أصبحتْ رهينةَ خطابٍ متطرفٍ ساهمتْ هي نفسُها في صناعتِه لعقود. فكلُّ سلطةٍ تُغذي أوهامَ الصراعِ ستجدُ نفسَها في النهايةِ عاجزةً عن السيطرةِ على الوحشِ الذي صنعته بيديها.

لقد تحوّلَ النظامُ الجزائريُّ إلى سلطةٍ تعيشُ داخلَ تناقضٍ دائم. يدعمُ خطابَ التصعيدِ ثم يخشى نتائجه. يهاجمُ المغربَ ليلَ نهار، ثم يطلبُ التهدئةَ في الكواليس. يرفعُ شعاراتِ الدفاعِ عن الشعوب، بينما يعجزُ عن إقناعِ شبابِه بالبقاءِ في وطنٍ يهربونَ منه بالقواربِ نحوَ الضفةِ الأخرى.

وما يزيدُ المشهدَ قتامةً أنَّ السلطةَ الجزائريةَ تبدو منشغلةً أيضاً بفضائحِها الداخليةِ وصراعاتِها الشخصيةِ أكثرَ من انشغالِها بمشكلاتِ المواطنين. فقد تحوّلَ الفضاءُ الرقميُّ الجزائريُّ إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للشائعاتِ والتسريباتِ والاتهاماتِ التي تطالُ حتى الحياةَ الخاصةَ للرئيسِ عبد المجيد تبون وعائلته، في مؤشرٍ خطيرٍ على اهتزازِ صورةِ الدولةِ نفسها. وبينما ينشغلُ الإعلامُ الرسميُّ بمحاولةِ إسكاتِ هذه الأصوات، تنتشرُ الرواياتُ المضادةُ بسرعةٍ أكبرَ داخلَ يوتيوب وفيسبوك وتيك توك، لأنَّ الناسَ فقدوا ثقتهم في الخطابِ الرسميِّ التقليدي.

وأنا أتابعُ هذه الفوضى، أتذكرُ دائماً أنَّ المشكلةَ الحقيقيةَ ليستْ في المعارضةِ أو المؤامراتِ الخارجيةِ كما يحبُّ الإعلامُ الجزائريُّ أن يردّد، بل في طبيعةِ النظامِ نفسِه. نظامٌ بُنيَ على الخوفِ من الديمقراطية، وعلى تقديسِ المؤسسةِ العسكرية، وعلى صناعةِ عدوٍّ خارجيٍّ دائمٍ لتبريرِ الفشلِ الداخلي.

لقد نجحَ المغربُ، رغمَ كلِّ تعقيداتِه ومشكلاتِه، في بناءِ صورةِ دولةٍ تتحركُ بهدوءٍ داخلَ محيطِها الإفريقيِّ والدولي، بينما تبدو الجزائرُ وكأنها تدخلُ كلَّ يومٍ في معركةٍ جديدةٍ ضدَّ العالم. وهذا الفرقُ ليس فرقَ دعايةٍ إعلامية، بل فرقُ رؤيةٍ سياسية. فالدولُ التي تبني المستقبلَ تستثمرُ في الاقتصادِ والثقافةِ والانفتاح، أمّا الأنظمةُ التي تخافُ من المستقبلِ فإنها تستثمرُ في العداءِ والتخوينِ وصناعةِ الأزمات.

أشعرُ أحياناً أنَّ النظامَ الجزائريَّ يعيشُ داخلَ روايةٍ قديمةٍ انتهى زمنُها، لكنه يرفضُ الاعترافَ بذلك. العالمُ تغيّر، والأجيالُ الجديدةُ تغيّرت، وحتى اللغةُ السياسيةُ القديمةُ فقدتْ بريقَها. لم يعدْ المواطنُ المغاربيُّ يقتنعُ بخطاباتِ الثورةِ والتحريرِ بينما يرى البطالةَ والفسادَ والطوابيرَ وانهيارَ القدرةِ الشرائية.

إنَّ أخطرَ ما يحدثُ اليومَ في الجزائر ليس الصراعَ مع المغرب، ولا توترَ العلاقةِ مع البوليساريو، ولا حتى الفضائحَ السياسيةَ المتداولة، بل ذلكَ التآكلُ البطيءُ لفكرةِ الدولةِ نفسها. وحينَ تصلُ السلطةُ إلى مرحلةِ الخوفِ من كلِّ صوتٍ مستقل، ومن كلِّ جنازةٍ صامتة، ومن كلِّ رسالةٍ دبلوماسية، فإنها تكونُ قد دخلتْ فعلاً مرحلةَ الشيخوخةِ السياسيةِ التي يصعبُ علاجُها.


0 التعليقات: