الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مايو 12، 2026

كيف تَنْسُجُ طهران ظِلَّهَا الْعَسْكَرِيَّ فِي صَحَارَى السَّاحِلِ الإفريقي: عبده حقي

 


تتمدّدُ خرائطُ التوتّرِ في القارةِ الإفريقيةِ مثلَ بقعِ زيتٍ سوداءَ فوقَ صفحةِ بحرٍ مضطرب، بينما تتشابكُ خيوطُ السلاحِ والعقائدِ والمصالحِ الاستخباراتيةِ في صمتٍ ثقيلٍ لا تسمعهُ سوى آذانِ المدنِ المنهكةِ بالحروبِ والانقلاباتِ والجماعاتِ المتطرفة. وفي قلبِ هذا المشهدِ المتفجّرِ يبرزُ اسمُ إيرانَ بوصفهِ لاعباً يراكمُ نفوذهُ العسكريَّ والأمنيَّ في مناطقَ إفريقيةٍ متعدّدة، مستثمراً هشاشةَ الدولِ والنزاعاتِ القديمةِ وممرّاتِ التهريبِ العابرةِ للصحارى والبحار.

لم تعدْ إفريقيا بالنسبةِ لطهرانَ مجرّدَ فضاءِ دبلوماسيٍّ بعيد، بل تحوّلت إلى رقعةِ شطرنجٍ مفتوحةٍ تتداخلُ فيها رهاناتُ البحرِ الأحمرِ والساحلِ الإفريقيِّ وشمالِ إفريقيا مع مشروعِ “تصديرِ النفوذ” الذي تبنّتهُ المؤسسةُ العسكريةُ الإيرانيةُ منذ عقود. فالحرسُ الثوريُّ الإيرانيُّ، الذي تُوجَّهُ إليهِ اتهاماتٌ متكرّرةٌ بدعمِ جماعاتٍ مسلحةٍ خارجَ الحدود، صارَ حاضراً في تقاريرَ وتحليلاتٍ غربيةٍ عديدةٍ تربطُ بينهُ وبينَ شبكاتِ تسليحٍ وتمويلٍ وتدريبٍ تمتدُّ من السودانِ إلى القرنِ الإفريقيِّ وصولاً إلى منطقةِ الساحلِ والصحراءِ.

وفي شمالِ إفريقيا تعودُ قضيةُ الصحراءِ المغربيةِ إلى واجهةِ التوتّرِ الجيوسياسيِّ من جديد. فالتقاريرُ الأمريكيةُ والغربيةُ التي تناولتْ علاقةَ إيرانَ بجبهةِ البوليساريو أعادتْ التذكيرَ بالأزمةِ الدبلوماسيةِ التي انفجرت سنةَ 2018 بعد إعلانِ المغربِ قطعَ علاقاتهِ مع طهرانَ بسببِ اتهاماتٍ تتعلّقُ بتورّطِ عناصرَ من حزبِ الله اللبنانيِّ في تدريبِ وتسليحِ عناصرَ من الجبهةِ الانفصاليةِ عبرَ الأراضي الجزائرية. وقد أكّدَ المغربُ آنذاكَ أنّ الصراعَ لم يعدْ مجردَ نزاعٍ إقليميٍّ تقليدي، بل أصبحَ مهدّداً بالتحوّلِ إلى نموذجٍ جديدٍ من “حروبِ الوكلاءِ” التي تتغذّى على الصواريخِ والطائراتِ المسيّرةِ والخبراتِ العسكريةِ العابرةِ للحدود.

هذا التحوّلُ يثيرُ قلقاً متزايداً لدى دوائرَ غربيةٍ تعتبرُ أنَّ القارةَ الإفريقيةَ تتحوّلُ تدريجياً إلى ساحةِ تنافسٍ خفيٍّ بين قوى إقليميةٍ ودولية. فكما استخدمتْ إيرانُ حزبَ الله في لبنانَ والحوثيينَ في اليمنِ لتوسيعِ نفوذها الجيوسياسي، يرى بعضُ المحللينَ الغربيينَ أنّها تسعى إلى إعادةِ إنتاجِ النموذجِ نفسهِ داخلَ مناطقَ إفريقيةٍ هشّةٍ أمنياً وسياسياً.

وفي السودانِ تحديداً تتشابكُ المصالحُ العسكريةُ مع خطوطِ البحرِ الأحمرِ الحيوية. فالحربُ السودانيةُ المستمرةُ فتحتْ البابَ أمامَ شبكاتِ سلاحٍ إقليميةٍ معقدة، بينما تتهمُ تقاريرُ أمريكيةٌ وإعلاميةٌ طهرانَ بالسعيِ إلى ترسيخِ حضورها هناكَ عبرَ صفقاتِ تسليحٍ ودعمٍ لوجستيٍّ يمرُّ أحياناً عبرَ وسطاءَ وشركاتٍ معقدةِ البنية. وقد أعادَ اعتقالُ رجلِ أعمالٍ إيرانيٍّ في الولاياتِ المتحدةِ بتهمةِ التورطِ في صفقةِ أسلحةٍ ضخمةٍ مرتبطةٍ بالسودانِ تسليطَ الضوءِ على هذه الشبكاتِ العابرةِ للقارات.

وفي القرنِ الإفريقيِّ تبدو الصورةُ أكثرَ تشابكاً. فالبحرُ الأحمرُ لم يعدْ مجردَ ممرٍّ تجاريٍّ دولي، بل صارَ منطقةَ صراعٍ استخباراتيٍّ وعسكريٍّ مفتوح. التقاريرُ الدوليةُ تتحدثُ عن تنسيقٍ متنامٍ بين الحوثيينَ وبعضِ الشبكاتِ المسلحةِ الموجودةِ في شرقِ إفريقيا، وعن محاولاتِ إيرانيةٍ لبناءِ موطئِ قدمٍ قربَ مضيقِ بابِ المندبِ الاستراتيجي. كما تتزايدُ المخاوفُ من تحوّلِ بعضِ الموانئِ الإفريقيةِ إلى قواعدَ خلفيةٍ للصراعِ الإيرانيِّ الإسرائيليِّ المتصاعد.

لكنَّ أخطرَ ما في هذهِ التحوّلاتِ ليسَ فقطْ انتقالُ السلاحِ أو التدريبِ العسكري، بل انتقالُ منطقِ “الفوضى المُدارة”. فكلُّ جماعةٍ مسلحةٍ جديدةٍ تُخلقُ في الهامشِ الإفريقيِّ تصبحُ قادرةً على تهديدِ الاستقرارِ المحليِّ والإقليميِّ معاً. إفريقيا التي كانتْ تبحثُ عن التنميةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ تجدُ نفسَها مرّةً أخرى داخلَ متاهةِ الصراعاتِ الدوليةِ الكبرى، بينما تتحوّلُ مدنُها وطرقُها الصحراويةُ إلى معابرَ للذهبِ والسلاحِ والمخدراتِ والجماعاتِ المتشددة.

وأمامَ هذا الواقعِ تبدو المملكةُ المغربيةُ من أكثرِ الدولِ التي تدقُّ ناقوسَ الخطرِ بشأنِ التغلغلِ الإيرانيِّ في المنطقة. فالمغربُ الذي يراهنُ على الاستقرارِ والتنميةِ والانفتاحِ الاقتصاديِّ في إفريقيا يرى أنَّ تحويلَ القارةِ إلى فضاءِ للمليشياتِ العابرةِ للحدودِ سيهدّدُ ليسَ فقطْ الأمنَ الإقليميَّ، بل أيضاً المشاريعَ الاقتصاديةَ الكبرى وممراتِ التجارةِ الدوليةِ بين إفريقيا وأوروبا والأطلسي. ومن هنا نفهمُ إصرارَ الرباطِ على التحذيرِ المبكرِ من أيِّ دعمٍ خارجيٍّ للجماعاتِ المسلحةِ في المنطقةِ المغاربية.

ورغمَ كلِّ هذهِ التحذيراتِ ما تزالُ القارةُ الإفريقيةُ تبدو كأنها تُتركُ وحدها أمامَ العواصفِ المتلاحقة. القوى الكبرى تتعاملُ مع إفريقيا غالباً باعتبارها ساحةَ نفوذٍ لا باعتبارها فضاءً إنسانياً يحتاجُ إلى التنميةِ والاستقرار. أما الشعوبُ الإفريقيةُ فتدفعُ الثمنَ مضاعفاً: مرةً بسببِ أنظمتها الهشّة، ومرةً بسببِ الحروبِ بالوكالةِ التي تُدارُ فوقَ ترابها من خلفِ البحار.

إنَّ ما يجري اليومَ يكشفُ أنَّ الصراعاتِ الحديثةَ لم تعدْ تحتاجُ إلى جيوشٍ جرّارةٍ ولا إلى احتلالاتٍ كلاسيكية. يكفي أنْ تُفتحَ نافذةٌ صغيرةٌ في جدارِ دولةٍ ضعيفةٍ حتى تتسلّلَ منها الأسلحةُ والعقائدُ والمرتزقةُ والطائراتُ المسيّرة. وإفريقيا، بكلِّ ثرواتها وأحلامِ شبابها، تقفُ الآنَ عندَ مفترقِ طرقٍ خطير: إمّا أنْ تتحوّلَ إلى قارةِ شراكاتٍ وتنمية، وإمّا أنْ تغرقَ أكثرَ في خرائطِ الحروبِ الرماديةِ التي لا تنتهي.


0 التعليقات: