كانَ خَبَرُ وَفاةِ عبد الوهاب الدكالي يُشْبِهُ انْطِفاءَ نافِذَةٍ قَديمَةٍ كانَتْ تُطِلُّ مِنْ شُرُفاتِ الذّاكرَةِ المَغْرِبِيَّةِ عَلى زَمَنٍ كامِلٍ مِنَ العُذوبَةِ والرُّقِيِّ والحَنين. لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ مُجَرَّدَ إِعْلانٍ عابِرٍ عَنْ رَحيلِ فَنّانٍ كَبير، بَلْ بَدا كَأَنَّ جُزْءًا مِنَ الرُّوحِ المَغْرِبِيَّةِ ذاتِها قَدْ غادَرَ هٰذا العالَمَ في صَمْتٍ مُهَيب. فَمُنْذُ صَباحِ الجُمُعَةِ الثّامِنِ مِنْ مايُو 2026، تَحَوَّلَتْ مَواقِعُ الأَخْبارِ المَغْرِبِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ والأُوروبِّيَّةِ إِلى دَفاتِرِ عَزاءٍ مَفْتوحَة، وارْتَفَعَتْ أَصْواتُ المَحَطّاتِ الإِذاعِيَّةِ والتِّلْفِزِيَّةِ بِأُغْنِياتِهِ الَّتي كانَتْ تَسْكُنُ البُيوتَ والمَقاهي والسَّيّاراتِ والقُلوب.
رَحَلَ صاحِبُ “مَرْسولِ الحُبِّ” بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ عُقودٍ مِنَ العَطاءِ الفَنِّيِّ الَّذي جَعَلَ مِنْهُ أَحَدَ أَعْمِدَةِ الأُغْنِيَةِ المَغْرِبِيَّةِ الحَديثَة، وصَوْتًا عَرَبِيًّا تَجاوَزَ الحُدودَ الجُغْرافِيَّةَ واللُّغَوِيَّةَ لِيَصْنَعَ لِنَفْسِهِ مَكانَةً خاصَّةً داخِلَ الوِجْدانِ الجَمْعِيِّ لِلْمَغارِبَةِ والعَرَب. لَقَدْ كانَ عبد الوهاب الدكالي أَكْثَرَ مِنْ مُطْرِبٍ ومُلَحِّن، كانَ مَشْروعًا ثَقافِيًّا وجَمالِيًّا مُتَكامِلًا، اسْتَطاعَ أَنْ يَمْزُجَ بَيْنَ الطَّرَبِ الأَصيلِ والحَداثَةِ المُوسيقِيَّةِ في زَمَنٍ كانَتِ الأُغْنِيَةُ المَغْرِبِيَّةُ تَبْحَثُ فيهِ عَنْ مَلامِحِها الخاصَّةِ داخِلَ المَشْهَدِ العَرَبِي.
وأَنا أُتابِعُ سَيْلَ التَّعازي والتَّأْبيناتِ القادِمَةِ مِنَ المَغْرِبِ ومِصْرَ وَلُبْنانَ وفَرَنْسا، شَعَرْتُ بِأَنَّ جيلًا كامِلًا يُشَيِّعُ ذاكِرَتَهُ الشَّخْصِيَّة. فَالدُّكّالي لَمْ يَكُنْ فَنّانَ المُناسَباتِ العابِرَة، بَلْ كانَ جُزْءًا مِنَ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ لِلْمَغارِبَة. أُغْنِياتُهُ كانَتْ تُرافِقُ الحُبَّ الأَوَّل، ومَرارَةَ الفِراق، ولَيالِيَ الدِّراسَة، وأَعْراسَ المُدُنِ العَتيقَة، وهُدوءَ المَقاهي القَديمَةِ في فاس والرِّباطِ والدّارِ البَيْضاء. كانَ صَوْتُهُ يَنْسابُ مِثْلَ ماءٍ دافِئٍ داخِلَ أَرْواحِنا المُتْعَبَة، دُونَ ضَجيجٍ أَوِ اسْتِعْراضٍ فارِغ.
لَقَدْ أَدْرَكَ عبد الوهاب الدكالي مُبَكِّرًا أَنَّ الأُغْنِيَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إيقاعٍ راقِصٍ أَوْ كَلِماتٍ عابِرَة، بَلْ ذاكِرَةٌ وِجْدانِيَّةٌ تَحْفَظُ صورَةَ الإِنْسانِ في لَحَظاتِهِ الأَكْثَرِ هَشاشَةً وصِدْقًا. ولِهٰذا ظَلَّ مُخْتَلِفًا عَنْ كَثيرٍ مِنْ أَبْناءِ جيلِهِ. فِي الوَقْتِ الَّذي انْجَرَفَ فيهِ بَعْضُ الفَنّانينَ نَحْوَ الاسْتِسْهالِ التِّجارِيّ، ظَلَّ هُوَ وَفِيًّا لِصَرامَتِهِ الفَنِّيَّةِ ولِحِسِّهِ الجَمالِيِّ الرَّفيع. كانَ يَخْتارُ كَلِماتِهِ بِعِنايَةِ شاعِر، ويُلَحِّنُ أَعْمالَهُ كَما لَوْ أَنَّهُ يَنْحَتُ قِطْعَةً مُوسيقِيَّةً سَتَبْقى لِسَنَواتٍ طَويلَة.
وحينَ أَسْتَعِيدُ اليَوْمَ أُغْنِياتٍ مِثْلَ “كانَ يا ما كان”، و”ما أَنا إِلّا بَشَر”، و”مَرْسولِ الحُبِّ”، و”حَبيبِ الجَماهير”، أَشْعُرُ أَنَّني لا أَسْتَمِعُ فَقَطْ إِلى موسيقى، بَلْ إِلى جُزْءٍ مِنَ التّاريخِ المَغْرِبِيِّ الحَديث. فَفي تِلْكَ الأُغْنِياتِ تَخْتَلِطُ صورَةُ المَغْرِبِ القَديمِ بِأَحْلامِ جيلِ الاسْتِقْلال، وتَتَشابَكُ العاطِفَةُ الفَرْدِيَّةُ مَعَ الحَنينِ الجَمْعِيِّ إِلى زَمَنٍ كانَتْ فيهِ الكَلِماتُ أَكْثَرَ بَراءَةً والأَلْحانُ أَكْثَرَ دِفْئًا.
ولَعَلَّ أَكْثَرَ ما كانَ يُمَيِّزُ عبد الوهاب الدكالي هُوَ تِلْكَ الأَناقَةُ الهادِئَةُ الَّتي طَبَعَتْ شَخْصِيَّتَهُ ومَسيرَتَهُ مَعًا. لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَنّانينَ الَّذينَ يَلْهَثونَ وَراءَ الفَضائِحِ أَوِ الأَضْواءِ الصّاخِبَة. كانَ يُفَضِّلُ العُزْلَةَ الجَميلَة، ويَتْرُكُ لأُغْنِياتِهِ مُهِمَّةَ الكَلامِ عَنْه. وحَتّى في سَنَواتِهِ الأَخيرَة، ظَلَّ حُضورُهُ يُشْبِهُ شَجَرَةً عَتيقَةً تَقِفُ بِصَمْتٍ وَسْطَ عاصِفَةِ التَّفاهَةِ الَّتي اجْتاحَتِ المَشْهَدَ الفَنِّيَّ العَرَبِيّ.
الصَّحافَةُ الفَرَنْسِيَّةُ والأُوروبِّيَّةُ الَّتي تَناوَلَتْ خَبَرَ رَحيلِهِ رَكَّزَتْ عَلى مَكانَتِهِ كَأَحَدِ أَبْرَزِ الأَصْواتِ المَغارِبِيَّةِ الَّتي نَجَحَتْ في عُبورِ المُتَوَسِّطِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ هُوِيَّتَها. أَمّا الصَّحافَةُ العَرَبِيَّةُ فَقَدْ تَعامَلَتْ مَعَ الخَبَرِ كَما لَوْ أَنَّها تُوَدِّعُ آخِرَ فُرْسانِ الأُغْنِيَةِ الكلاسِيكِيَّةِ الرّاقِيَة. وفي مصر تَحْديدًا، اسْتَعادَ كَثيرونَ مَرْحَلَةَ إِقامَتِهِ في القاهِرَةِ خِلالَ سِتِّينِيّاتِ القَرْنِ الماضِي، حِينَ اسْتَطاعَ أَنْ يَلْفِتَ انْتِباهَ كِبارِ المُوسيقِيِّينَ والنُّقّادِ هُناكَ بِصَوْتِهِ المُخْتَلِفِ وأُسْلوبِهِ المُتَفَرِّدِ في التَّلْحين.
ولِأَنَّ المَوْتَ لا يَرْحَمُ حَتّى الأَصْواتَ الَّتي ظَنَنّا أَنَّها خُلِقَتْ لِلْبَقاء، بَدا رَحيلُ عبد الوهاب الدكالي قاسِيًا عَلى جيلٍ ما زالَ يَعيشُ عَلى فُتاتِ الحَنين. فَقَدْ جاءَ هٰذا الرَّحيلُ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَليلَةٍ فَقَطْ مِنْ وَفاةِ عبد الهادي بلخياط، وكَأَنَّ الأُغْنِيَةَ المَغْرِبِيَّةَ القَديمَةَ تُغْلِقُ أَبْوابَها واحِدًا بَعْدَ آخَر، تارِكَةً خَلْفَها فَراغًا هائِلًا يَصْعُبُ مَلْؤُه.
أَكْثَرُ ما يُؤْلِمُني اليَوْمَ أَنَّ جيلًا جَديدًا قَدْ لا يَفْهَمُ تَمامًا قيمَةَ هٰذا الرَّجُلِ الَّذي غادَرَنا. فَفي زَمَنِ المِنَصّاتِ السَّريعَةِ والأُغْنِياتِ القَصيرَةِ المَصْنوعَةِ عَلى عَجَل، يَبْدو صَوْتُ عبد الوهاب الدكالي قادِمًا مِنْ كَوْكَبٍ آخَر، مِنْ عَصْرٍ كانَتْ فيهِ الأُغْنِيَةُ تُصْنَعُ بِالصَّبْرِ والحُبِّ والمَعْرِفَةِ المُوسيقِيَّةِ العَميقَة. كانَ يَنْتَمي إِلى زَمَنِ الفَنّانِ الشّامِلِ الَّذي يَكْتُبُ ويُلَحِّنُ ويُغَنّي ويَقِفُ عَلى المَسْرَحِ بِوَقارِ شاعِرٍ لا بِقَلَقِ مُؤَثِّرٍ رَقْمِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ عَدَدِ الإِعْجابات.
ومَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ المَوْتَ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَهْزِمَ الفَنَّ الحَقيقِي. فَالفَنّانونَ الكِبارُ لا يُغادِرونَ تَمامًا، بَلْ يَتَحَوَّلونَ إِلى أَصْواتٍ خَفِيَّةٍ تَسْكُنُ ذاكِرَةَ الشُّعوب. سَيَظَلُّ عبد الوهاب الدكالي حاضِرًا في لَيالي المَغارِبَة، في أَعْراسِهِمُ القَديمَة، وفي حَنينِهِمْ إِلى سَنَواتِ الصَّفاءِ الأُولى. سَيَظَلُّ صَوْتُهُ يَخْرُجُ مِنْ مِذْياعٍ قَديمٍ في بَيْتٍ عَتيقٍ بِـفاس، أَوْ مِنْ سَيّارَةِ أُجْرَةٍ تَشُقُّ شَوارِعَ الدّارِ البَيْضاءِ لَيْلًا، أَوْ مِنْ مَقْهى شَعْبِيٍّ يَحْتَفِظُ بِعِنادٍ جَميلٍ ضِدَّ ضَجيجِ العَصْر.
لَقَدْ رَحَلَ الجَسَدُ، لٰكِنَّ “مَرْسولَ الحُبِّ” سَيُواصِلُ السَّفَرَ بَيْنَ القُلوبِ جيلًا بَعْدَ جيل، كَما لَوْ أَنَّ عبد الوهاب الدكالي لَمْ يَكُنْ فَنّانًا فَقَط، بَلْ جُزْءًا مِنَ المُوسيقى السِّرِّيَّةِ الَّتي كانَتْ تَجْعَلُ الحَياةَ أَقَلَّ قَسْوَةً وأَكْثَرَ احْتِمالًا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق