الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 24، 2026

السينما العالمية تغادر زمن الفرجة السريعة نحو دهشة أكثر عمقًا: عبده حقي

 


بدت السينما العالمية خلال الأسبوع الماضي وكأنها تعيش لحظة مراجعة داخلية عميقة، ليس فقط على مستوى الصناعة والإنتاج، بل أيضًا على مستوى المعنى الثقافي للصورة نفسها. فمن المغرب إلى العالم العربي، ومن إفريقيا إلى أوروبا والولايات المتحدة، لم تعد الشاشة الكبيرة مجرد وسيلة للترفيه الجماعي، بل تحولت إلى مرآة حساسة تعكس توتر العالم وقلقه وأسئلته الجديدة. لقد صار واضحًا أن السينما لم تعد تكتفي بسرد الحكايات، بل أصبحت تطرح أسئلة تتعلق بالهوية والذاكرة والحرب والذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان داخل عالم رقمي سريع التحول.

في المغرب، استمر الحديث بقوة عن الحضور السينمائي المغربي داخل التظاهرات الدولية، خاصة في مهرجان كان السينمائي، الذي تحول مرة أخرى إلى منصة لقياس حضور السينما العربية والإفريقية داخل السوق العالمية. وقد بدا واضحًا أن المغرب يحاول اليوم الانتقال من مجرد فضاء لتصوير الأفلام الأجنبية إلى فاعل سينمائي يسعى إلى بناء صناعة متكاملة لها حضورها الثقافي والاقتصادي. المشاركة المغربية في “كان” لم تكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشرًا على أن السينما المغربية بدأت تدرك ضرورة الانفتاح على الشراكات الدولية وعلى لغة الصورة الكونية التي تتجاوز الحدود الجغرافية.

وفي السياق نفسه، استمرت أصداء مهرجان “فيكام” لسينما التحريك بمدينة مكناس، وهو مهرجان لم يعد مجرد نشاط فني للأطفال كما كان يُنظر إليه سابقًا، بل تحول إلى مختبر بصري حقيقي يستكشف علاقة الأجيال الجديدة بالصورة الرقمية. الرسوم المتحركة اليوم لم تعد فضاء طفوليًا بريئًا فقط، بل أصبحت لغة سردية معقدة تناقش قضايا الحرب والهجرة والهوية والبيئة. وهذا التحول يكشف أن السينما المغربية بدأت تستوعب تدريجيًا أن المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على إنتاج الخيال، لا فقط استهلاك الصور القادمة من الخارج.

كما أثار المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة اهتمامًا لافتًا بعد الإعلان عن تكريم شخصيات عربية ومغربية بارزة، في خطوة تؤكد أن المدن المغربية البعيدة عن المركز التقليدي بدأت تدخل بقوة إلى الخارطة السينمائية والثقافية. فالمهرجانات لم تعد مجرد مناسبات للفرجة، بل أصبحت أدوات لإعادة تشكيل صورة المدن نفسها، وتحويلها إلى فضاءات للرمزية الثقافية والسياحة الفنية.

في العالم العربي، كان الحضور السينمائي هذا الأسبوع مرتبطًا أساسًا بمهرجان كان، حيث شاركت مجموعة من الأفلام العربية في مسابقات مختلفة، من بينها أفلام مغربية وفلسطينية وسورية أثارت اهتمام النقاد والجمهور. هذا الحضور العربي لم يعد يُقرأ فقط من زاوية عدد الأفلام المشاركة، بل من زاوية طبيعة المواضيع المطروحة داخل هذه الأعمال. فقد أصبحت السينما العربية أكثر جرأة في الاقتراب من الجروح السياسية والاجتماعية والنفسية التي تعيشها المنطقة.

اللافت أيضًا هو فوز الفيلم الفلسطيني “كان ياما كان في غزة” بجائزة أفضل فيلم روائي عربي في اختيارات النقاد، وهو حدث يحمل دلالة رمزية قوية. فغزة لم تعد فقط موضوعًا سياسيًا أو إعلاميًا، بل أصبحت مادة سينمائية تعكس مأساة الإنسان المعاصر داخل منطقة مفتوحة على الحرب والذاكرة والموت اليومي. السينما هنا تتحول إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية، وإلى محاولة لإنقاذ الإنسان من الاختفاء داخل الأخبار السريعة والصور العابرة.

كما أثارت قائمة “101 الأكثر تأثيرًا في السينما العربية” نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الثقافية، لأنها كشفت التحولات الجديدة في موازين القوة داخل الصناعة السينمائية العربية. لم تعد الهيمنة المطلقة للعواصم التقليدية وحدها، بل بدأت تظهر أسماء ومنصات وشركات إنتاج جديدة تحاول إعادة تشكيل المشهد السينمائي العربي في عصر المنصات الرقمية والبث التدفقي.

أما في إفريقيا، فقد بدا واضحًا أن السينما الإفريقية تعيش لحظة صعود تاريخية داخل المشهد العالمي. اختيار ثلاثة أفلام إفريقية ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة تراكم طويل بدأ يمنح القارة صوتًا سينمائيًا خاصًا بها. السينما الإفريقية الجديدة لم تعد تقدم إفريقيا كفضاء للفقر والحروب فقط، بل بدأت تقدم الإنسان الإفريقي بوصفه كائنًا معقدًا يحمل أسئلته الوجودية وأحلامه وتناقضاته.

كما استقطب مهرجان طريفة ـ طنجة للسينما الإفريقية اهتمامًا متزايدًا، خاصة لأنه يمثل تجربة ثقافية عابرة للحدود تجمع إفريقيا بأوروبا داخل فضاء سينمائي مشترك. هذا النوع من المهرجانات يكشف أن السينما أصبحت اليوم أداة للحوار الحضاري أكثر من كونها مجرد صناعة ترفيهية. الصورة هنا تتحول إلى لغة مشتركة بين الشعوب، وإلى وسيلة لتفكيك الصور النمطية القديمة.

وفي الاتحاد الأوروبي، ظل مهرجان كان الحدث السينمائي الأكبر خلال الأسبوع الماضي، خصوصًا بعد إعلان الجوائز الرسمية التي أكدت مرة أخرى عودة قوية لسينما المؤلف الأوروبية. أوروبا السينمائية تبدو اليوم وكأنها تحاول الدفاع عن هويتها الفنية الخاصة في مواجهة هيمنة هوليوود والمنصات الرقمية العملاقة. الأفلام الأوروبية الفائزة هذا العام اتجهت نحو القصص الإنسانية الصغيرة، والموضوعات الوجودية، والبحث عن المعنى داخل عالم متوتر.

وقد رأى عدد من النقاد أن هذه الدورة من “كان” كشفت عن تعب واضح من السينما التجارية الضخمة، وعن رغبة متزايدة في العودة إلى الأفلام التي تطرح أسئلة فكرية وجمالية بدل الاكتفاء بالمؤثرات البصرية. وهذا التحول يعكس أزمة عميقة يعيشها الإنسان الغربي نفسه، الذي بدأ يشعر بأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لصناعة السعادة أو المعنى.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تواصل النقاش داخل هوليوود حول مستقبل الصناعة السينمائية بعد سنوات من هيمنة أفلام الأبطال الخارقين والمنصات الرقمية. بدا واضحًا هذا الأسبوع أن السينما الأمريكية بدأت تعيد النظر في نموذجها الإنتاجي التقليدي، خاصة بعد التراجع النسبي لحضور الاستوديوهات الكبرى داخل مهرجان كان مقابل صعود السينما المستقلة والأفلام القادمة من آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية.

هذا التحول يكشف أن الجمهور العالمي أصبح يبحث عن قصص أكثر إنسانية وواقعية، لا مجرد عروض بصرية ضخمة. وربما لهذا السبب بدأت بعض القاعات الأمريكية تحتفي من جديد بالأفلام المستقلة والعروض الفنية الصغيرة، في محاولة لاستعادة العلاقة الحميمة القديمة بين المتفرج والشاشة.

وهكذا يمكن القول إن حصيلة الأسبوع السينمائي الأخير لم تكن مجرد أخبار عن مهرجانات وجوائز وعروض جديدة، بل كانت مرآة لتحولات عميقة يعيشها العالم نفسه. فالسينما اليوم لم تعد فقط فن الصورة، بل أصبحت مختبرًا لفهم الإنسان المعاصر داخل زمن مضطرب تتداخل فيه السياسة بالتكنولوجيا، والذاكرة بالخوارزميات، والواقع بالخيال.


0 التعليقات: