شهد عالم الرسم والفنون التشكيلية خلال الأسبوع الماضي حركة غير عادية، وكأن المدن الثقافية الكبرى في العالم تحاول أن تعيد اكتشاف علاقتها بالصورة بعد سنوات من هيمنة الشاشات الرقمية والذكاء الاصطناعي وثقافة الاستهلاك البصري السريع. من الرباط إلى باريس، ومن الدوحة إلى لندن، ومن مراكش إلى برلين، لم تعد المعارض الفنية مجرد مناسبات للفرجة العابرة، بل تحولت إلى فضاءات للتأمل الجماعي في مصير الإنسان المعاصر، وفي علاقة الفن بالذاكرة والحرب والطبيعة والهوية والتحولات التكنولوجية المتسارعة. لقد بدا واضحًا هذا الأسبوع أن الفنون التشكيلية العالمية تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تحاول فيها استعادة دورها الروحي والفلسفي داخل عالم يزداد ضجيجًا وبرودة.
في المغرب، استمرت الفنون التشكيلية في فرض حضورها داخل المشهد الثقافي الوطني، خاصة مع افتتاح معرض “المغرب بلاد الأنوار” للفنانة المغربية بشرى قادري بالرباط. هذا المعرض لم يكن مجرد احتفاء بالألوان والرموز التراثية المغربية، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة قراءة الهوية البصرية المغربية داخل زمن العولمة الرقمية. لوحات الفنانة لم تكتف باستحضار الذاكرة الشعبية، بل عملت على تفكيكها وإعادة تركيبها عبر لغة تشكيلية تمزج بين التجريد والرمزية والانفتاح على الضوء المتوسطي. في هذا النوع من المعارض يشعر الزائر أن الفن لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يطرح أسئلة خفية حول معنى الانتماء والذاكرة والمكان.
وفي مراكش، أعادت الدورة الثالثة عشرة من “أسبوع الفن” الحياة إلى النقاشات المرتبطة بالفن المعاصر وعلاقته بالمدينة. المدينة الحمراء لم تعد فقط فضاء سياحيًا أو تراثيًا، بل أصبحت أيضًا مختبرًا بصريًا يستقطب فنانين من المغرب والعالم العربي وأوروبا. وقد بدا واضحًا هذا الأسبوع أن الفن التشكيلي المغربي يحاول التحرر من الصورة الفولكلورية القديمة، والاقتراب أكثر من القضايا الإنسانية الكبرى المرتبطة بالهجرة والبيئة والتحولات الاجتماعية. الأعمال المعروضة لم تكن تبحث عن الجمال السهل، بل عن ذلك القلق الداخلي الذي يجعل اللوحة مساحة للتفكير أكثر من كونها مجرد زينة جدارية.
أما في الدار البيضاء، فقد أثار معرض “أصداء الأطلس” اهتمامًا لافتًا بسبب تركيزه على العلاقة بين الطبيعة المغربية والذاكرة الجماعية. الجبال والقرى والرموز الأمازيغية تحولت داخل اللوحات إلى علامات بصرية تعكس هشاشة الإنسان أمام التحولات المناخية والاقتصادية والثقافية. وقد بدا واضحًا أن الفنانين الشباب المغاربة بدأوا يبتعدون عن النقل الواقعي المباشر، ويتجهون نحو أشكال أكثر تجريدًا وسريالية، وكأنهم يحاولون التعبير عن عالم داخلي متشظٍّ يصعب الإمساك به بلغة بصرية تقليدية.
في العالم العربي، كان الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي هو معرض “من بغداد” الذي افتتحه متحف قطر الوطني، وهو معرض ضخم يستعيد تاريخ الفن العراقي الحديث والمعاصر عبر عشرات الأعمال التي تنتمي إلى أجيال متعددة. العراق هنا لم يظهر فقط كبلد للحروب والانهيارات السياسية، بل كأرض أنتجت واحدة من أكثر التجارب التشكيلية العربية غنى وعمقًا. اللوحات والمنحوتات المعروضة حملت آثار الخراب والذاكرة والمنفى، لكنها حملت أيضًا رغبة عميقة في مقاومة النسيان عبر الفن.
وفي دبي، واصلت المدينة تعزيز صورتها كعاصمة عربية للفنون المعاصرة من خلال معرض الفنانة الجزائرية فاطمة الزهراء بعنوان “أطياف الطبيعة”. اللافت في هذا المعرض هو تلك العلاقة الغامضة بين الصحراء والضوء والفراغ داخل الأعمال المعروضة. اللوحات بدت وكأنها تحاول التقاط الصمت نفسه، لا فقط الأشكال والألوان. وهذا النوع من الفن يعكس تحوّلًا جديدًا داخل التشكيل العربي، حيث لم يعد الفنان العربي يبحث فقط عن تمثيل الواقع، بل عن تفكيك الإحساس بالواقع نفسه.
كما استمرت أصداء “بينالي الشارقة” في إثارة النقاشات النقدية والفكرية داخل العالم العربي، خاصة بعد نشر قراءات جديدة تناولت علاقة الفن المعاصر بقضايا البيئة والهجرة والعدالة الثقافية. لقد أصبح واضحًا أن البيناليات العربية لم تعد مجرد فضاءات للعرض الفني، بل تحولت إلى منصات فكرية وسياسية تناقش أسئلة العالم المعاصر من خلال الصورة والفيديو والتركيب البصري.
وفي الاتحاد الأوروبي، ظل المشهد التشكيلي هذا الأسبوع تحت تأثير عدد من المعارض الكبرى التي أعادت النقاش حول مستقبل الفن الأوروبي نفسه. ففي لندن، افتتح متحف “تيت مودرن” معرضًا ضخمًا حول تجربة بابلو بيكاسو، ركز على تحولات الفنان بين التكعيبية والتجريب البصري. غير أن أهمية المعرض لا تكمن فقط في عرض أعمال نادرة، بل في الطريقة التي حاول بها إعادة قراءة بيكاسو داخل زمن الذكاء الاصطناعي والصورة الرقمية. وكأن السؤال المطروح ضمنيًا هو: هل ما يزال الفن اليدوي قادرًا على الصمود أمام الإنتاج البصري الآلي؟
وفي باريس، احتضن مركز بومبيدو معرض “ألوان من الشمال”، وهو معرض لفنانين من الدول الإسكندنافية ركز على العلاقة بين الطبيعة والضوء والتجريد المعاصر. الأعمال المعروضة بدت شديدة البساطة ظاهريًا، لكنها كانت تحمل إحساسًا عميقًا بالعزلة والبرد الوجودي الذي يعيشه الإنسان الأوروبي اليوم. وربما لهذا السبب بدا المعرض أقرب إلى تأمل جماعي في هشاشة الإنسان داخل عالم حديث يفقد تدريجيًا علاقته بالطبيعة والبطء والتأمل.
أما مدينة بازل السويسرية، فقد واصلت استعداداتها المكثفة لدورة “آرت بازل”، التي ينتظر أن تكون واحدة من أكبر التظاهرات الفنية العالمية لهذا العام. اللافت في التحضيرات الحالية هو الحضور المتزايد للفن الرقمي والفنون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لقد أصبح واضحًا أن السوق الفنية العالمية بدأت تتغير بسرعة، وأن الأعمال الرقمية لم تعد مجرد تجارب هامشية، بل تحولت إلى جزء أساسي من الاقتصاد الثقافي العالمي.
وهكذا يمكن القول إن حصيلة الأسبوع الماضي في مجال الرسم والفنون التشكيلية لم تكن مجرد أخبار عن معارض وافتتاحات وفعاليات فنية، بل كانت انعكاسًا لتحولات أعمق يعيشها العالم نفسه. فالفن اليوم لم يعد ترفًا بصريًا أو نشاطًا نخبويا معزولًا عن المجتمع، بل أصبح وسيلة لفهم الإنسان المعاصر داخل زمن مضطرب تتداخل فيه الذاكرة بالتكنولوجيا، والحروب بالهويات، والواقع بالخيال. وربما لهذا السبب تبدو المعارض الفنية الحديثة أشبه بمرايا كبيرة تحاول أن تكشف ما يخفيه العالم خلف ضجيجه اليومي السريع.








0 التعليقات:
إرسال تعليق