ليست أكثر الأسئلة خطورةً تلك التي تهز يقيننا، بل تلك التي تكشف لنا أن يقيننا نفسه قد يكون ابنَ الصدفة التاريخية. فكم من حقيقةٍ ظنناها أزلية، ثم اكتشفنا أنها لم تكن سوى روايةٍ كُتبت في لحظة معينة، وانتقلت إلينا لأن النيران لم تلتهمها، ولأن الغزاة لم يمحوا حروفها، ولأن الناسخ الأخير لم يمت قبل أن يفرغ من نسخها.
كلما تأملتُ خريطة النبوات، راودني شعورٌ بأننا ننظر إلى العالم من نافذة ضيقة ثم نتصور أننا رأينا الأفق كله. فجميع الأنبياء الذين تحفظهم ذاكرتنا الدينية تقريبًا خرجوا من جغرافيا واحدة، من تلك الأرض الواقعة بين دجلة والفرات، وسواحل المتوسط، وصحراء الجزيرة العربية. ومن فرط ما ألفنا هذه الصورة، بدأنا نتعامل معها كما لو كانت قانونًا كونيًا، لا مجرد فصل من كتاب هائل فقدنا أكثر صفحاته.
غير أن السؤال الذي يلح عليّ لا يتعلق بالدين بقدر
ما يتعلق بالتاريخ: هل كانت السماء تتحدث إلى الشرق الأوسط وحده؟ أم أن الشرق
الأوسط هو الذي احتفظ بأرشيف السماء، بينما ضاعت بقية الرسائل في متاهة الزمن؟
إن الفرق بين السؤالين يشبه الفرق بين النجم
والمرآة؛ فالأول يبحث عن مصدر الضوء، والثاني يسأل عن السطح الذي عكسه.
لقد علمنا القرن العشرون، منذ أعمال مارك بلوخ
ولوسيان فيفر ورواد مدرسة الحوليات، أن التاريخ ليس سجلًا بريئًا، بل بناءٌ معقد،
تصنعه المصادفات بقدر ما تصنعه الوقائع. فالوثيقة لا تتكلم وحدها، بل تحتاج إلى من
ينقذها من الصمت، كما تحتاج الآثار إلى من ينتشلها من الرمال.
ولذلك، فإن أول ما ينبغي أن نتحرر منه هو الوهم
القائل إن ما وصل إلينا يمثل كل ما كان.
إن البشرية لم تترك لنا أرشيفها كاملًا، بل تركت
لنا بقاياه.
لعل أعظم ما يلفت الانتباه أن القرآن نفسه أكثر تواضعًا من بعض قرائه. فهو لا
يقدم قائمة مغلقة للنبوات، بل يعلن، بوضوح نادر، أن هناك رسلًا لم تُقصص أخبارهم،
وأن لكل أمة نذيرًا، وأن الرسالة لم تكن حكرًا على شعب دون آخر.
هنا تتقدم النصوص الدينية خطوة على كثير من
تصوراتنا التاريخية؛ فهي تعترف بما لا نعرف، بينما نسارع نحن إلى تحويل المجهول
إلى يقين.
كم هو غريب أن يكون النص أكثر انفتاحًا من التأويل.
لقد كتب كارل ياسبرز عن "العصر المحوري"،
ذلك الزمن الذي شهد، في رقاع متباعدة من الأرض، انفجارًا غير مسبوق في الوعي
الإنساني. ففي الصين كان كونفوشيوس يبحث عن العدالة والنظام الأخلاقي، وكان لاو
تسي ينصت إلى همس الطريق الخفي. وفي الهند كان بوذا يغادر القصور بحثًا عن معنى
الألم، وفي بلاد فارس كانت التعاليم المنسوبة إلى زرادشت تعيد رسم العلاقة بين
الخير والشر، بينما كانت أرض فلسطين تعرف أنبياء بني إسرائيل، وكانت اليونان تتهيأ
لميلاد سقراط وأفلاطون.
ما الذي جمع هؤلاء جميعًا، وهم لم يجلسوا إلى
المائدة نفسها، ولم يتبادلوا الرسائل؟
لم يملك ياسبرز جوابًا قاطعًا، لكنه أدرك أن
التاريخ لا يتحرك دائمًا بخط مستقيم، بل يعرف لحظات نادرة يبلغ فيها الوعي
الإنساني درجة من النضج تجعله يطرح الأسئلة نفسها بلغات مختلفة.
وربما كان السؤال عن النبوة جزءًا من هذا النضج
الكوني.
أما ميرسيا إلياده فقد رأى أن الإنسان، منذ فجر وجوده، لم يكن يبحث عن الطعام
وحده، بل عن المقدس أيضًا. وكان يعتقد أن كل حضارة تشيد عالمها انطلاقًا من نقطة
ترى فيها اتصال الأرض بالسماء. ولذلك تتكرر، في الثقافات الإنسانية، رموز الجبل
المقدس، والشجرة الكونية، والطوفان، والبداية الأولى، والمخلّص المنتظر.
ولم يكن يقصد بذلك أن جميع الأديان متطابقة، بل أن
التجربة الروحية جزء أصيل من البنية الرمزية للإنسان.
إن الإنسان، كما يبدو، لا يستطيع أن يعيش طويلًا من
دون أن يرفع رأسه نحو ما يتجاوز الأرض.
غير أن التاريخ كان أقل رحمة من الروح.
لقد أحرقت الإمبراطوريات مكتبات، كما أحرقت مدنًا.
ولم تكن النيران تميز بين كتاب في الرياضيات وآخر في اللاهوت. إن ما احترق في
مكتبة الإسكندرية لم يكن برديات فحسب، بل احتمالات كاملة لفهم العالم. وما أُتلف
من مخطوطات المايا لم يكن رسومًا طقسية فقط، بل ذاكرة أمة كانت تنظر إلى السماء
بعين مختلفة.
من يستطيع، بعد ذلك، أن يجزم بأننا نملك كل
الشهادات؟
إن المؤرخ لا يخشى الاعتراف بجهله، لأنه يعلم أن
الصمت وثيقة أيضًا.
لقد علمنا بول ريكور أن الذاكرة ليست مجرد حفظ للماضي، بل اختيار لما يستحق أن
يبقى. وكل ذاكرة، فردية كانت أم جماعية، تضيء زاوية وتترك أخرى في العتمة.
أليس تاريخ الأديان نفسه نوعًا من الذاكرة الكبرى؟
إننا لا نقرأ الوحي مجردًا عن الزمن، بل نقرأ أثر
الزمن في الوحي، وأثر اللغة في المعنى، وأثر السلطة في التدوين، وأثر الترجمة في
انتقال الأفكار. ومن هنا تنشأ ضرورة التمييز بين قداسة النص، وبين تاريخ تلقيه
وتفسيره وانتشاره.
كلما فكرت في الصين القديمة، لا يخطر ببالي السؤال: لماذا لم يظهر فيها نبي؟
بل يخطر ببالي سؤال آخر: ماذا لو كانت مفردة
"النبي" نفسها لا تكفي لوصف جميع أشكال الخبرة الروحية التي عرفها
الإنسان؟
إن اللغات لا تقسم العالم بالطريقة نفسها. فما يسمى
حكيمًا في حضارة، قد يسمى مصلحًا في أخرى، وقد يسمى نبيًا في ثالثة. وليس من
الحكمة أن نفرض قاموس ثقافة على تاريخ البشرية كله.
هذا لا يعني إزالة الفوارق بين المفاهيم الدينية،
بل يعني الحذر من إسقاط تصنيفاتنا الخاصة على تجارب لم تولد داخل الأفق الثقافي
نفسه.
لقد كان كلود ليفي شتراوس يرى أن الأسطورة ليست نقيض العقل، بل إحدى لغاته.
وما بدا لنا خيالًا قد يكون، بالنسبة إلى مجتمع آخر، وسيلته في تنظيم الكون ومنح
الوجود معنًى.
ولعل هذا ما يجعل تاريخ الأفكار أكثر إثارة من
تاريخ الوقائع؛ لأنه لا يبحث فقط عما حدث، بل عما اعتقد الإنسان أنه حدث، وعما
احتاج إلى تصديقه كي يستطيع مواصلة العيش.
إنني لا أزعم أن لكل حضارة نبيًا مجهولًا، كما لا أزعم أن التاريخ أخفى عمدًا
رسالات كاملة. فهذه دعاوى لا يسندها دليل. لكنني أزعم شيئًا واحدًا: أن التواضع
المعرفي فضيلة لا غنى عنها في دراسة الماضي.
إننا نعرف أقل بكثير مما نتصور.
وكل اكتشاف أثري جديد، وكل لغة تُفك شيفرتها، وكل
رقيم يُستخرج من باطن الأرض، يذكرنا بأن الماضي ليس قارة مكتشفة، بل أرخبيل لا
يزال أكثره غارقًا تحت الماء.
ربما لهذا السبب لا أستطيع أن أتعامل مع خريطة النبوات بوصفها خريطة كاملة، بل
بوصفها جزءًا من أطلس ضخم ضاعت صفحاته. وما بقي بين أيدينا، مهما كان جليلًا، لا
يلغي احتمال وجود صفحات أخرى لم يكتب لها النجاة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نورثه للأجيال القادمة
ليس: لماذا لم يظهر نبي في الصين أو في حضارات أمريكا القديمة؟
بل سؤال أكثر تواضعًا، وأكثر فلسفة، وأكثر انسجامًا
مع حدود المعرفة الإنسانية:
هل كانت السماء أقل اتساعًا مما نتخيل، أم أن ذاكرة
الإنسان كانت أضيق من أن تحفظ كل ما مر بها؟
ذلك سؤال لا ينتقص من الإيمان، ولا يناقض التاريخ،
بل يذكرنا بأن الحقيقة الكبرى تظل دائمًا أوسع من قدرتنا على الإحاطة بها، وأن
الصمت الذي يلف أطراف الماضي قد لا يكون فراغًا، بل مساحة ما زالت تنتظر من يقرأها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق