الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 24، 2026

معهد العالم العربي يقاوم عزلة العصر بالفن والشعر والموسيقى: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الماضي، بدا معهد العالم العربي وكأنه يستعيد دوره القديم كجسر ثقافي حيّ بين الضفتين العربية والأوروبية، ليس فقط عبر المعارض الفنية واللقاءات الفكرية، بل عبر ذلك الإحساس العميق بأن الثقافة العربية ما تزال قادرة على إنتاج الدهشة داخل مدينة مثل باريس التي أنهكتها السرعة الرقمية والتوترات السياسية وصعود الخطابات الشعبوية. لم تكن الأنشطة الثقافية التي احتضنها المعهد مجرد برمجات عابرة، بل بدت أشبه بمحاولة جماعية لإعادة تعريف صورة العالم العربي داخل أوروبا من خلال الفن والذاكرة والأدب والتاريخ.

من أبرز الأنشطة التي استمرت أصداؤها خلال الأسبوع الماضي معرض “لغز كليوباترا”، وهو معرض ضخم أعاد تقديم شخصية الملكة المصرية الشهيرة خارج الصور النمطية والأساطير الهوليوودية المعتادة. المعرض لم يكتف بعرض القطع الأثرية والأعمال الفنية، بل حاول تفكيك العلاقة المعقدة بين السلطة والجمال والأنوثة والتاريخ، وكأن كليوباترا لم تعد مجرد شخصية تاريخية، بل مرآة تعكس صراع الشرق مع الصورة التي صنعها عنه الغرب عبر القرون.

وفي القاعات المجاورة، واصل معرض “كنوز منقوشة من غزة” جذب اهتمام الزوار والنقاد، خصوصًا في ظل السياق السياسي والإنساني الراهن. القطع الأثرية القادمة من غزة لم تُعرض بوصفها بقايا تاريخية فقط، بل بوصفها شهادة حيّة على أن هذه الأرض كانت دائمًا فضاءً للحضارات والتبادل الثقافي، لا مجرد عنوان للحروب والدمار. وقد بدا واضحًا أن المعهد أراد من خلال هذا المعرض أن يمنح الذاكرة الفلسطينية بعدًا بصريًا وإنسانيًا يتجاوز الأخبار اليومية السريعة.

وفي المجال الفكري، شهد المعهد سلسلة من الندوات والحوارات المرتبطة بمستقبل الثقافة العربية في أوروبا، خاصة في ظل تصاعد اليمين المتطرف داخل فرنسا. وقد أثارت تصريحات مدير المعهد الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير اهتمامًا واسعًا بعد تحذيره من الأزمة المالية التي تهدد المؤسسة الثقافية العربية الأكبر في أوروبا. لكن خلف هذا التحذير المالي كان هناك سؤال أعمق: هل ما تزال الثقافة قادرة على مقاومة الكراهية والعنصرية والانغلاق داخل أوروبا المعاصرة؟

كما عرفت مكتبة المعهد خلال الأسبوع الماضي لقاءات أدبية وقراءات شعرية ضمن برامج “ليالي القراءة”، حيث امتزج الشعر بالموسيقى والسرد الشفهي في محاولة لإعادة الحياة إلى طقوس الإنصات الجماعي التي بدأت تختفي تدريجيًا داخل العالم الرقمي. هذا النوع من الأنشطة يكشف أن معهد العالم العربي لم يعد مجرد مؤسسة تعرض الثقافة العربية كتراث جامد، بل يحاول تقديمها ككائن حي يتفاعل مع أسئلة العصر الحديث.

وفي المجال الفني، استمرت النقاشات حول المعارض المرتبطة بالهندسة المعمارية والفنون البصرية المتوسطية، خاصة تلك التي تستعيد تاريخ الأندلس والحضارة العربية الإسلامية داخل أوروبا. وقد بدا واضحًا أن المعهد يراهن اليوم على الصورة والفن المعاصر أكثر من الخطاب الإيديولوجي المباشر، لأن الفن يمتلك قدرة أكبر على اختراق الحواجز النفسية والثقافية داخل المجتمعات الأوروبية المتعبة من الصراعات السياسية والهوياتية.

ومن جهة أخرى، عرف الفضاء الموسيقي للمعهد خلال الأسبوع الماضي استمرار التحضيرات لبرامج صيفية تجمع الموسيقى العربية المعاصرة بالإيقاعات المتوسطية والإفريقية، في محاولة لإعادة اكتشاف الروابط الثقافية القديمة بين الشعوب. لم تعد الموسيقى هنا مجرد عرض فني، بل أصبحت لغة بديلة للحوار في زمن تفشل فيه السياسة غالبًا في بناء الجسور الإنسانية.

ما يثير الانتباه في كل هذه الأنشطة هو أن معهد العالم العربي لم يعد يشتغل فقط كفضاء للعرض الثقافي، بل كمختبر فكري وجمالي يحاول إعادة صياغة العلاقة بين العرب وأوروبا داخل عالم متوتر ومتغير بسرعة. فالمعارض الفنية، والندوات الفكرية، والقراءات الأدبية، والحفلات الموسيقية، كلها بدت خلال الأسبوع الماضي وكأنها أجزاء من سؤال واحد كبير: كيف يمكن للثقافة أن تنقذ الإنسان من العزلة والسطحية والخوف داخل عصر الخوارزميات والحدود المغلقة؟

وهكذا يمكن القول إن حصيلة الأسبوع الثقافي والفني والفكري في معهد العالم العربي لم تكن مجرد سلسلة أنشطة متفرقة، بل كانت محاولة هادئة لإعادة بناء المعنى داخل عالم يفقد تدريجيًا قدرته على التأمل البطيء. وربما لهذا السبب يظل هذا المعهد، رغم أزماته المالية والسياسية، واحدًا من آخر الأماكن القليلة في أوروبا التي ما تزال تؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية عميقة.


0 التعليقات: