بقلم الكاتب المغربي عبدو حقي : يبدو أن معهد العالم العربي بباريس يواصل هذا الموسم الثقافي رهانه الكبير على إعادة وصل ما انقطع بين الثقافة العربية وفضاءها الإنساني الواسع، ليس فقط عبر المعارض والحفلات والندوات، بل عبر بناء مناخ فكري وفني يعيد للثقافة معناها العميق داخل عالم يزداد انقسامًا وعزلة. الأنشطة التي أعلن عنها المعهد خلال الأسابيع المقبلة لا تبدو مجرد برمجة عادية لمؤسسة ثقافية أوروبية، بل تبدو أشبه بمحاولة لإحياء الذاكرة العربية المتوسطية داخل مدينة مثل باريس، المدينة التي تتحول شيئًا فشيئًا إلى ساحة صراع بين الهويات والخطابات السياسية والخوف من الآخر.
من أبرز المحطات الثقافية التي تسترعي الانتباه هذا الموسم مهرجان “الأندلسيات” المخصص للموسيقى العربية الأندلسية المغربية، والذي سيمتد من التاسع والعشرين من مايو إلى الثالث من يونيو 2026. هذا المهرجان لا يكتفي بتقديم حفلات موسيقية تراثية، بل يطرح سؤالًا أعمق حول معنى الموسيقى نفسها داخل الذاكرة العربية. فالموسيقى الأندلسية ليست مجرد تراث قديم محفوظ داخل الكتب أو القاعات المغلقة، بل هي جزء من السيرة العاطفية المشتركة بين المغرب والأندلس والمتوسط. الأنغام هنا تتحول إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان، وإلى محاولة لاستعادة زمن كانت فيه الحضارة العربية تنتج الجمال بدل الحروب والخراب.
اللافت في هذه الدورة أن المعهد اختار أن يجعل من الموسيقى المغربية الأندلسية محورًا رئيسيًا للقاء الثقافي، وكأنه يريد أن يذكر أوروبا بأن المغرب ظل عبر قرون طويلة بوابة لعبور الثقافات واللغات والألحان بين الضفتين. في زمن صعود الشعبوية والانغلاق الهوياتي، تبدو الموسيقى هنا أكثر قدرة من السياسة على إعادة بناء الجسور الإنسانية.
وفي المجال الفكري والإعلامي، يواصل برنامج “صحافة ميد” اهتمامه بقضايا حرية التعبير والصحافة العربية، من خلال لقاء خاص حول أوضاع الصحافيين في سوريا. هذا النوع من اللقاءات لم يعد مجرد نقاش مهني حول الإعلام، بل أصبح مناسبة للتفكير في مصير الحقيقة نفسها داخل عالم عربي مزقته الحروب والاستقطابات. فالصحافي السوري اليوم لا يواجه فقط الرقابة أو الخوف، بل يواجه أيضًا انهيار المعنى داخل فضاء إعلامي تهيمن عليه الأخبار السريعة والدعاية والخرائط السياسية المتحركة.
هذا اللقاء يكشف أيضًا أن معهد العالم العربي لا يريد أن يبقى مجرد فضاء فني محايد، بل يحاول أن يكون مكانًا لطرح الأسئلة الصعبة حول الحرية والعدالة وحق الإنسان في الكلام. وربما لهذا السبب تستقطب هذه الندوات جمهورًا متنوعًا من المثقفين والطلاب والباحثين والصحافيين، لأن الناس لم يعودوا يبحثون فقط عن المعلومة، بل عن معنى جديد للحوار نفسه.
وفي المجال الموسيقي، ينتظر الجمهور عرض الفنان المغربي سعد التيولي، الذي يقدم تجربة “كناوة سيكاديليك”، وهي تجربة موسيقية تمزج بين الجذور الروحية الكناوية والتجريب الصوتي المعاصر. هذه العودة إلى الموسيقى الكناوية داخل فضاء باريس ليست مجرد عرض فولكلوري كما قد يعتقد البعض، بل تعبير عن تحولات عميقة داخل الموسيقى المغربية نفسها، التي بدأت تتحرر من التصنيفات التقليدية وتنفتح على المزج بين الروحاني والإلكتروني والكوني.
المثير في تجربة سعد التيولي هو أنه لا يقدم الكناوة بوصفها موسيقى احتفالية فقط، بل بوصفها طقسًا روحيًا وجماليًا قادرًا على مخاطبة الإنسان المعاصر مهما كانت لغته أو ثقافته. وهنا تكمن قوة الفن الحقيقي: أن يتحول من تعبير محلي محدود إلى لغة إنسانية مفتوحة.
أما المعارض الفنية، فقد جاءت هذه السنة محملة بأسئلة الذاكرة والخراب والأمل. معرض “غزة، حكايات أمل وصمود” للفنان الفلسطيني أحمد محنا بدا وكأنه محاولة بصرية لإنقاذ الإنسان الفلسطيني من الاختزال الإعلامي اليومي. غزة هنا لا تظهر فقط كمدينة للحرب، بل كفضاء للحياة والذاكرة والرغبة في الاستمرار رغم الخراب. اللوحات والأعمال المعروضة لا تبحث عن الشفقة، بل عن استعادة الكرامة الإنسانية عبر الفن.
وفي الاتجاه نفسه، يفتح معرض “جبيل، مدينة الألفية اللبنانية” نافذة واسعة على التاريخ العميق للمتوسط، حيث تتحول المدينة اللبنانية القديمة إلى رمز لذاكرة حضارية تتجاوز الحروب والأزمات الراهنة. هذا النوع من المعارض يكشف أن معهد العالم العربي لا يشتغل فقط على الحاضر، بل يحاول أيضًا إعادة بناء العلاقة بين العرب وتاريخهم الطويل الذي بدأ يختفي خلف ضجيج السياسة اليومية.
كما يلفت الانتباه معرض “ليبيا، تراث مكشوف”، الذي يقدم صورًا ووثائق ومواد بصرية حول العمل الأثري في ليبيا. هذا المعرض يبدو وكأنه رسالة ضد النسيان أيضًا، لأن ليبيا التي تظهر غالبًا في الإعلام بوصفها أرض نزاعات وانقسامات، تستعيد هنا وجهها الحضاري والثقافي العميق.
ومن الأنشطة الفكرية اللافتة أيضًا اللقاء المخصص لتقديم كتاب “صنوبرات ريشمايا، رسائل من فلسطين وأماكن أخرى”، وهو عمل أدبي يمزج بين السرد والرسائل والتأملات المرتبطة بالمنفى والذاكرة والاقتلاع. مثل هذه اللقاءات تكشف أن الأدب العربي ما يزال قادرًا على تحويل الألم الجماعي إلى كتابة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
كما خصص المعهد ندوة مهمة حول “أنطولوجيا الموسيقى الأندلسية المغربية الآلة”، وهي ندوة لا تناقش الموسيقى فقط، بل تناقش أيضًا معنى الحفاظ على التراث داخل عالم رقمي سريع يستهلك كل شيء ثم يرميه في ذاكرة النسيان. التراث هنا لا يُقدَّم بوصفه مادة متحفية جامدة، بل بوصفه طاقة حية قابلة للتجدد والتفاعل مع الحاضر.
أما اللقاء الفكري حول العبودية في البحر الأبيض المتوسط والعالم الجديد، فقد أعاد فتح جرح تاريخي ما يزال العالم يتهرب من مواجهته بصدق. هذه الندوات لا تسعى فقط إلى استعادة الماضي، بل إلى فهم جذور العنصرية الحديثة وعدم المساواة والعنف الرمزي الذي ما يزال يعيش داخل المجتمعات المعاصرة.
وهكذا تبدو برمجة معهد العالم العربي هذا الموسم وكأنها محاولة شاملة لمقاومة عزلة العصر بالفن والشعر والموسيقى والفكر. فالمعهد لا يكتفي بتنظيم الأنشطة، بل يحاول إعادة خلق فضاء إنساني يسمح للناس بالإنصات والتأمل والحوار في زمن تبتلع فيه الخوارزميات كل شيء بسرعة مخيفة. وربما لهذا السبب يظل هذا المكان واحدًا من آخر الحصون الثقافية التي ما تزال تؤمن بأن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة روحية لإنقاذ الإنسان من برد العالم الحديث.







0 التعليقات:
إرسال تعليق