تكشف الإصدارات التي ظهرت في المشهد الثقافي العربي خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية عن حيوية لافتة في حركة النشر، على الرغم من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تحاصر صناعة الكتاب، وتضيّق مساحة القراءة، وترفع تكاليف الطباعة والتوزيع. فالكتاب العربي لا يزال يبحث عن قارئه من خلال تنويع موضوعاته، والاقتراب من القضايا التي تمس الإنسان في وجوده الفردي والجماعي، بدءًا من أسرار الخلية والموت، مرورًا بتشظي الذات واضطراباتها النفسية، ووصولًا إلى الهجرة والحرب والذاكرة والتاريخ والهوية المعمارية والفنية. ومن خلال تتبع ما نشرته منصات «الضفة الثالثة» و«القدس العربي» و«ميدل إيست أونلاين»، وما أعلنته بعض دور النشر، ومنها دار الآداب ودار التوحيدي، تتضح أمامنا خريطة ثقافية لا تتجانس أجناسها، لكنها تلتقي عند رغبة مشتركة في فهم الإنسان العربي داخل واقع متحول ومضطرب.
أحدث الإصدارات التي عرّفت بها «الضفة الثالثة» كتاب «كيف نحيا ولماذا نموت: الحياة السرية للخلايا» للباحث البريطاني لويس ولبيرت، وقد صدر بترجمة عربية أنجزها الدكتور عبد اللطيف الصديقي عن دار التكوين في دمشق. نُشر خبر الإصدار بتاريخ 9 يوليو 2026، وهو التاريخ المتاح في المادة التعريفية، بينما لم تحدد الصفحة يوم الطباعة الفعلي بصورة منفصلة. ينتمي الكتاب إلى جنس التأليف العلمي المبسط، لكنه يتجاوز حدود الشرح البيولوجي ليقترب من السؤال الفلسفي الأقدم: ما الحياة، وما الذي يجعل الكائن الحي ينتقل من النمو والتجدد إلى الشيخوخة والموت؟ يعالج ولبيرت الخلية باعتبارها الوحدة السرية التي تحمل برنامج الحياة ومقدمات فنائها معًا، فيحوّل المعرفة البيولوجية إلى مدخل لتأمل المصير الإنساني. وتنبع أهمية الترجمة العربية من أن الثقافة العلمية لا تزال أقل حضورًا من الأدب والفكر السياسي في سوق الكتاب العربي، كما أن تقديم موضوعات علم الأحياء بلغة مفهومة يساعد على ردم الفجوة بين المعرفة المتخصصة والقارئ العام. ويعني عنوان الكتاب، في صيغته العربية، أن سؤال الموت لا يُطرح بوصفه شأنًا ميتافيزيقيًا فقط، بل بوصفه أيضًا عملية مادية تجري داخل الخلايا والأنسجة.
وفي الرواية، صدرت عن دار ميسكلياني رواية «شيزوفرينيا» للكاتب التونسي هادي التيمومي، وأعلنت «الضفة الثالثة» عنها في 8 يوليو 2026. وكلمة «شيزوفرينيا» تعني بالعربية «الفُصام»، وهو اضطراب نفسي معقد يؤثر في إدراك الواقع وتنظيم الأفكار والانفعالات. غير أن العنوان الروائي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تشخيصًا طبيًا مباشرًا، بل باعتباره مفتاحًا لقراءة عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخرافة والواقع بالوهم. وفق التقديم المنشور، يبني التيمومي فضاءً سرديًا مركبًا تتزعزع داخله الحدود بين ما يحدث فعلًا وما تصنعه الذاكرة أو المخيلة أو الخوف. وهذا الاختيار يضع الرواية ضمن تيار عربي متنامٍ يستثمر الاضطراب النفسي لتصوير اضطراب المجتمع نفسه؛ فالفرد المنقسم قد يصبح استعارة عن وطن منقسم بين خطابه الرسمي وواقعه، أو عن إنسان يواجه روايات متعارضة للحقيقة. لا تبدو «شيزوفرينيا» مجرد حكاية عن شخصية مضطربة، بل محاولة لتحويل التشوش الإدراكي إلى بنية فنية تجعل القارئ شريكًا في الشك والبحث عن المعنى.
وفي 7 يوليو 2026، عرضت المنصة نفسها رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، الصادرة عن دار نوفل التابعة لهاشيت أنطوان. واسم «هاشيت أنطوان» يجمع بين دار أنطوان العربية ومجموعة هاشيت الفرنسية للنشر. تتناول الرواية حكاية شاب من نجد يغادر منطقته في مرحلة كانت فيها طاردة للسكان، ويتجه نحو الشمال والغرب بحثًا عن الرزق وتحقيق الطموح. ومن خلال هذا المسار، تستعيد الرواية تاريخًا اجتماعيًا لا يُكتب عادة في السجلات الرسمية، هو تاريخ الرحلات الداخلية وحركة الرجال بين البيئات العربية قبل الطفرات الاقتصادية الكبرى. فالهجرة هنا ليست عبورًا بين دولتين فحسب، وإنما انتقال من مجتمع مغلق إلى فضاءات مجهولة، ومن هوية مستقرة ظاهريًا إلى ذات تختبر الاحتكاك والافتقار والخوف. ويحمل «ورق الكافور» إيحاءً بالذاكرة والرائحة والشفاء والحفظ؛ فالكافور مادة ارتبطت في المخيال الشعبي بالتطهير والموت معًا، وهو ما يضفي على العنوان توترًا بين الحياة والفناء، وبين الرحيل وما يتبقى من أثر الراحل.
ولا تقتصر حركة الكتاب الجديدة على التأليف الأصلي، بل تشمل انتقال الأدب العربي إلى لغات أخرى. ففي 6 يوليو 2026، أعلنت دار «فارابي كتاب» إنجاز ترجمتين تركيتين لعملين من أعمال الروائي السوري الراحل خيري الذهبي، هما رواية «لو لم يكن اسمها فاطمة» وكتاب «عود ثقاب قرب حقل جاف»، وذلك بالتزامن مع ذكرى رحيله التي صادفت الرابع من يوليو. وتكتسب الترجمتان أهميتهما من فتح نافذة جديدة للأدب السوري داخل المجال الثقافي التركي، خصوصًا أن التاريخ المتداخل بين المجتمعين، وحضور ملايين السوريين في تركيا، جعلا الترجمة بين العربية والتركية أكثر من نشاط أدبي محض. إنها أيضًا إعادة بناء للذاكرة المشتركة وتقديم للرواية السورية خارج صورتها الإخبارية المرتبطة بالحرب واللجوء. أما عنوان «عود ثقاب قرب حقل جاف» فيختزل صورة شديدة الكثافة: فعل صغير قادر على إشعال كارثة واسعة، وهي استعارة تنطبق على المجتمعات التي تراكم التوترات حتى يصبح الحادث المحدود شرارة لانفجار تاريخي.
وتحضر الهجرة بصورة مباشرة في كتاب «حوار الجاليات: سوسيولوجيا المهاجرين بعد ثورات الربيع العربي» للكاتب والإعلامي السوداني الكندي طارق المادح، الصادر عن دار نور للطباعة والنشر والتوزيع في مصر، والذي نُشر خبر صدوره في 5 يوليو 2026. وكلمة «سوسيولوجيا» تعني «علم الاجتماع»، وبذلك يعلن العنوان منذ البداية أن الكتاب لا يكتفي بسرد تجارب فردية، بل يحاول تحليل أنماط العيش والتحول داخل الجاليات العربية المهاجرة بعد الثورات العربية. لقد أدت الحروب والانقسامات السياسية والانهيارات الاقتصادية إلى نشوء موجات جديدة من المهاجرين والمنفيين، تختلف في تكوينها عن موجات الهجرة الاقتصادية القديمة. فالمهاجر الجديد يحمل معه ذاكرة الثورة أو الحرب أو السجن أو الانقسام الأهلي، ويجد نفسه مطالبًا بإعادة تعريف علاقته بالوطن والدولة واللغة والاندماج. وتكمن قيمة الكتاب في اقترابه من الجالية باعتبارها مجتمعًا مصغرًا، لا مجرد مجموعة أفراد يعيشون خارج بلادهم. كما أن مفهوم «الحوار» في العنوان يوحي بأن المؤلف يمنح المهاجرين فرصة التعبير عن ذواتهم بدل تحويلهم إلى أرقام في تقارير الهجرة واللجوء.
ومن الروايات التي عادت إلى الواجهة بطبعة جديدة «لعبة الدوائر الفارغة» للكاتب العراقي علي لفتة سعيد، وقد صدرت طبعتها الثانية عن دار الدراويش للنشر والترجمة في بلغاريا، وأُعلن عنها في 4 يوليو 2026. تتناول الرواية تناقضات العراق بعد سنة 2003، وتتخذ من زمن جائحة كورونا محورًا سرديًا. وبذلك تجمع بين مرحلتين من أشد مراحل التاريخ العراقي الحديث تعقيدًا: مرحلة الاحتلال وما تلاها من انهيار مؤسساتي وعنف طائفي، ثم مرحلة الوباء وما فرضته من عزلة وخوف وانقطاع. أما «الدوائر الفارغة» فتوحي بتكرار الحركة من دون بلوغ غاية، وكأن المجتمع يدور داخل أزمات متعاقبة لا ينجح في الخروج منها. ويمنح صدور طبعة ثانية العمل دلالة تتجاوز الجانب التجاري، إذ يشير إلى استمرار الحاجة إلى قراءة الرواية وإعادة تأمل المرحلة التي تعالجها. فالنص الذي يعود إلى التداول هو نص يثبت أن أسئلته لم تُحسم، وأن الواقع الذي كتبه لا يزال، بدرجات مختلفة، قائمًا.
وفي المجال الفكري والسياسي، صدر العدد 147، الخاص بصيف 2026، من «مجلة الدراسات الفلسطينية» ورقيًا وإلكترونيًا، حاملًا افتتاحية بعنوان «الضفة الغربية: الحرب المنسية»، ونُشر التعريف به في 3 يوليو 2026. ورغم أن المجلة دورية وليست كتابًا بالمعنى التقليدي، فإن أعدادها البحثية تندرج في سياق الإصدارات المرجعية التي يمكن التعامل معها بوصفها كتبًا جماعية، لما تتضمنه من دراسات وملفات وتحليلات موثقة. يلفت عنوان الافتتاحية إلى اختلال التغطية الإعلامية التي تركز على جبهة معينة فيما تتواصل في الضفة الغربية عمليات القتل والاعتقال والاستيطان والتهجير. ومن هنا، يؤدي العدد وظيفة معرفية وذاكرية في آن واحد، إذ يحفظ الوقائع من النسيان، ويضع الأحداث اليومية داخل سياقاتها القانونية والسياسية والتاريخية. وما يميز هذا النوع من النشر هو مقاومته لسرعة الخبر؛ فالخبر يمر، أما الدراسة فتعيد بناء الحدث وتكشف بنيته وآثاره الممتدة.
أما كتاب «مجازات سينمائية: الفيلم الروائي في أميركا وأوروبا وأميركا اللاتينية» للناقد العراقي مروان ياسين الدليمي، فقد نُشر خبر صدوره في 2 يوليو 2026. يقع الكتاب في 298 صفحة، وصدر ضمن مبادرة نقابة الفنانين العراقيين، المركز العام في بغداد، بالتعاون مع دار «بوك سايننك»، ويمكن ترجمة اسمها إلى «توقيع الكتاب». يفتح هذا الإصدار مجالًا نقديًا مهمًا يتعلق بالفيلم الروائي خارج الفضاء العربي، ويقارن ضمنيًا بين تقاليد سينمائية متعددة. فسينما أميركا لا تختزل في نموذج واحد، كما أن السينما الأوروبية ذات مدارس واتجاهات متنوعة، بينما اكتسبت سينما أميركا اللاتينية خصوصيتها من ارتباطها بتاريخ الاستعمار والديكتاتوريات والفقر والمقاومة. واستخدام كلمة «مجازات» يدل على أن الناقد لا يتعامل مع الفيلم بوصفه حكاية مصورة فقط، بل باعتباره نظامًا من الرموز والاستعارات والتراكيب البصرية. وهذا النوع من الكتب ضروري لتطوير الثقافة السينمائية العربية ونقل النقاش من الحكم الانطباعي على الأفلام إلى تحليل الصورة والمونتاج وبناء الشخصية والخطاب الجمالي.
وفي الرواية أيضًا، صدرت «تعويذة الشيخ المجذوب» للروائية سلوى البنا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وجاء الإعلان عنها بتاريخ الأول من يوليو 2026. تقع الرواية في 208 صفحات، وتقدم بحسب مادتها التعريفية عالمًا يحاكي الواقع السوريالي الراهن بأبطاله وأسراره. والسوريالية، أو «ما فوق الواقعية»، اتجاه فني وأدبي يقوم على تحرير المخيلة، وكسر منطق الواقع الظاهري، وإبراز الأحلام واللاوعي والتداعيات غير المألوفة. إلا أن توظيف السوريالية في الرواية العربية المعاصرة لم يعد مجرد تقليد لمدرسة أوروبية، لأن الواقع العربي نفسه بات ينتج أحداثًا تبدو أكثر غرابة من الخيال. يجمع العنوان بين «التعويذة»، بما تمثله من اعتقاد في قوة الكلمات والرموز، و«الشيخ المجذوب»، بوصفه شخصية تقف على الحد الفاصل بين الحكمة والجنون والولاية والهامش. ومن خلال هذا التركيب، تبدو الرواية مؤهلة لاستكشاف العلاقة بين السلطة الروحية والمخيلة الشعبية، وبين الخوف الجماعي والحاجة إلى الخلاص.
ومن أبرز الإصدارات الروائية المرتبطة مباشرة بإحدى الدور التي طلب البحث فيها رواية «مشقة العادي» للروائي ساري موسى، الصادرة عن دار الآداب. وقد نشرت «الضفة الثالثة» خبرها في 28 يونيو 2026. تبدأ الرواية من فرضية وجودية صادمة: يعرف وديع الراعي موعد موته، فيهجر بيت أسرته ويستأجر غرفة متواضعة في قبو رطب، ويشرع في عيش سنته الأخيرة بعكس ما يفعله بقية البشر. هذه الفكرة تجعل الموت حقيقة زمنية محددة بدل أن يظل احتمالًا مجهولًا، وتدفع الشخصية إلى إعادة تقييم كل ما يبدو عاديًا: البيت والعائلة والوقت والعمل والعلاقات والأشياء الصغيرة. ويحمل العنوان مفارقة لافتة، لأن «العادي» يُفترض أن يكون سهلًا ومألوفًا، غير أن الرواية تكشف مشقته الخفية. فالعيش اليومي يحتاج إلى قدر من النسيان؛ ننسى الموت كي نتابع أعمالنا، وحين يتحول الموت إلى موعد معلوم يفقد اليوم العادي براءته. ويبدو أن الرواية لا تبحث عن مغامرة خارقة، بل عن المعنى الكامن في الأشياء التي لا نلتفت إليها إلا عند اقتراب فقدانها.
وفي «ميدل إيست أونلاين» برز كتاب «الدراما في النص القرآني: سورة يوسف أنموذجًا» للباحث والمسرحي محمود صبح، وقد نشر الموقع خبره في 7 يوليو 2026. يقع الكتاب في 170 صفحة، ويبحث في البنية الحوارية والمشهدية والشخصيات داخل سورة يوسف. ولا يعني استخدام مفهوم الدراما إخضاع النص القرآني لقواعد المسرح الحديثة، بل دراسة الوسائل التي تتولد بها الحركة والتوتر والتحول داخل القصة: الحوار، وتتابع المشاهد، وانتقال الشخصية من حال إلى حال، والمفارقة، والكشف، وتأجيل المعرفة. وتُعد سورة يوسف من أكثر السور القرآنية وحدةً من الناحية السردية، إذ تتتابع قصتها من الرؤيا الأولى إلى تحققها، مرورًا بالغيرة والإلقاء في الجب والعبودية والفتنة والسجن والتمكين واللقاء العائلي. ومن شأن هذا الكتاب أن يفتح نقاشًا بين الدراسات القرآنية والنقد الأدبي وفنون العرض، شريطة الحفاظ على الخصوصية الدينية والبلاغية للنص وعدم اختزاله في قالب فني مستورد.
وعرض الموقع نفسه، بتاريخ 2 يوليو 2026، رواية «أيام الفاطمي المقتول» للكاتب التونسي نزار شقرون. تشير المادة المنشورة إلى أن الرواية تنبش التاريخ لتصل إلى الحاضر المأزوم، وهي صيغة تكشف عن وظيفة الرواية التاريخية في الثقافة العربية الراهنة. فالتاريخ لا يُستعاد للزينة أو الهروب من الحاضر، وإنما لإضاءة جذور الصراعات التي لا تزال تعيد إنتاج نفسها. ويحمل العنوان اسم شخصية أو رمزًا يرتبط بالموت والذاكرة، بما يجعل عملية القتل فعلًا يتجاوز الجسد إلى محاولة محو الرواية المضادة. غير أن الأدب يعيد للمقتول صوته، ويمنحه حياة جديدة داخل اللغة. ومن هنا، يمكن قراءة العمل بوصفه سؤالًا عن المنتصر الذي يكتب التاريخ، وعن الهامشيين الذين لا يستعيدون وجودهم إلا في الرواية.
أما دار التوحيدي المغربية، فقد ارتبط جانب مهم من جديدها بمعرض الرباط الدولي للنشر والكتاب في مايو 2026. ومن إصداراتها الموثقة رواية «يامات الدار الكبيرة» للباحث والكاتب محمد المدلاوي، الصادرة في مارس 2026، والمكتوبة بالعربية الدارجة المغربية. وقد جرى توقيعها في رواق الدار خلال المعرض. وتكتسب الرواية أهمية خاصة بسبب اختيارها الدارجة لغةً للسرد، وهو اختيار يفتح مجددًا سؤال العلاقة بين العربية الفصحى واللغات المحكية في الأدب. فالدارجة ليست في هذا السياق مجرد وسيلة للحوار، بل لغة قادرة على حمل الذاكرة العائلية والاجتماعية وتفاصيل المكان. كما يوحي عنوان «الدار الكبيرة» بفضاء يتجاوز البناء المادي ليصبح مستودعًا للقرابة والأسرار والتحولات والأصوات المتراكمة.
ومن جديد دار التوحيدي أيضًا كتاب «الدولة والقوة العسكرية» للدكتور كريم مصلوح، الذي أُعلن عنه ضمن إصدارات الدار الموجهة إلى معرض الرباط لسنة 2026. ويضع العنوان القارئ أمام إحدى القضايا المركزية في الفكر السياسي: العلاقة بين الدولة وأدوات القوة، وحدود المؤسسة العسكرية داخل النظام السياسي. لا تتحدد أهمية الموضوع بالدول التي شهدت انقلابات عسكرية فقط، بل تشمل كل مجتمع يسعى إلى بناء توازن بين الأمن والشرعية والمؤسسات المدنية. فالقوة العسكرية قد تكون وسيلة لحماية الدولة، لكنها تتحول إلى مصدر أزمة إذا غابت الرقابة القانونية أو اختلت العلاقة بين القرار السياسي والمؤسسة المسلحة.
وتكشف عملية البحث عن ملاحظة منهجية ضرورية: ليست جميع دور النشر العربية تمتلك مواقع إلكترونية محدثة تعرض تاريخ صدور كل كتاب وصفحته المستقلة. فقد أمكن توثيق جديد دار الآداب من خلال صفحة «الضفة الثالثة»، وجديد دار التوحيدي من خلال إعلانات الناشر والمواد المرتبطة بمعرض الرباط. أما نتائج البحث المتاحة لدار الساقي، فقد أظهرت إعلانًا مؤرخًا في 2 فبراير 2026 عن حجب جائزة مي غصوب للرواية في دورتها الرابعة، لا صفحةً لكتاب صادر خلال الأيام الأخيرة. والجائزة مخصصة لمن لم يسبق لهم إصدار كتاب، وتهدف إلى اكتشاف أصوات روائية جديدة، غير أن الدار قررت حجبها في تلك الدورة. ولذلك لا يصح تحويل هذا الإعلان إلى خبر عن إصدار أدبي جديد.
كما لم تكشف نتائج البحث الموثوقة عن صفحة مؤرخة خلال الأيام الأخيرة لإصدار جديد عن دار توبقال، ولا عن فهرس حديث واضح يمكن من خلاله إثبات تاريخ كتاب بعينه. والأمانة الثقافية تقتضي التصريح بذلك بدل إلحاق عناوين قديمة بموجة الإصدارات الجديدة. وتواجه متابعة منشورات بعض الدور المغربية الصعوبة نفسها، لأن الإعلان عن الكتب ينتقل أحيانًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي أو معارض الكتاب قبل أن يصل إلى الموقع الرسمي، وقد تُنشر صورة الغلاف من دون بيانات ببليوغرافية كاملة، مثل عدد الصفحات أو تاريخ الطبع أو رقم الطبعة.
وعند جمع هذه الإصدارات وتأمل خطوطها العامة، يظهر أولًا حضور الموت بوصفه سؤالًا مركزيًا: الموت البيولوجي في كتاب «كيف نحيا ولماذا نموت»، والموت المعلوم في «مشقة العادي»، والمقتول الذي يستعاد من التاريخ في «أيام الفاطمي المقتول»، والحرب المنسية في «مجلة الدراسات الفلسطينية». غير أن هذا الحضور لا يعني هيمنة التشاؤم، بل يكشف رغبة في مقاومة الفناء بالمعرفة والسرد والتوثيق. فالكتاب العلمي يفسر آليات الموت، والرواية تمنح الفرد فرصة لمراجعته، والبحث التاريخي ينقذ الضحايا من النسيان.
ويظهر ثانيًا اتجاه واضح نحو مساءلة الذاكرة والهجرة والهوية. «ورق الكافور» تستعيد تحولات نجد القديمة، و«حوار الجاليات» يدرس المهاجرين بعد الثورات العربية، وترجمة أعمال خيري الذهبي إلى التركية تنقل الذاكرة السورية إلى لغة مجاورة، بينما تستدعي «يامات الدار الكبيرة» الذاكرة المغربية بلسانها اليومي. وفي هذه الأعمال لا تبدو الهوية جوهرًا ثابتًا، بل تجربة تتحرك مع المكان واللغة والرحيل والصدمة.
أما الاتجاه الثالث فيتمثل في تداخل المعارف. فالدراسات الأدبية تقترب من القرآن والسينما وعلم النفس، والكتاب العلمي يجاور التأمل الفلسفي، والرواية التاريخية تحاور السياسة، والسرد باللهجة المحكية يثير أسئلة اللسانيات والهوية. وهذا التداخل هو أحد أبرز ملامح الكتاب العربي الجديد؛ إذ لم تعد الحدود بين الأجناس المعرفية مغلقة، وصار المؤلف يبحث عن أدوات متعددة لفهم واقع لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة.
تؤكد هذه الحصيلة أن النشر العربي، رغم عثراته، يواصل إنتاج كتب تحاول تحويل القلق العام إلى معرفة وحكاية. فالإصدارات الجديدة لا تقدم إجابات نهائية، لكنها تعيد صياغة الأسئلة التي تطارد الإنسان العربي: ما الذي يفعله بمعرفته بالموت؟ ماذا يتبقى من الوطن بعد الهجرة؟ من يكتب التاريخ، ومن يُمحى منه؟ هل يمكن للغة المحكية أن تحمل عملًا روائيًا كاملًا؟ وما الحدود الفاصلة بين العقل والوهم، وبين الاستقرار والانقسام؟ لعل القيمة الحقيقية لهذه الكتب تكمن في أنها لا تهرب من هشاشة الحاضر، بل تدخل إليها من أبواب العلم والرواية والنقد والتاريخ، محاولةً أن تجعل القراءة فعلًا من أفعال المقاومة ضد النسيان والتبسيط والصمت.







0 التعليقات:
إرسال تعليق