تُعَدُّ رِوَايَةُ «الْجَبَلُ السِّحْرِيُّ» التِي صَدَرَتْ سَنَةَ ١٩٢٤ مِنْ أَعْظَمِ رَوَائِعِ الأَدِيبِ الأَلْمَانِيِّ توماس مان، الحَاصِلِ عَلَى جائزة نوبل in سَنَةَ ١٩٢٩. وَكَانَ مَانْ قَدْ شَرَعَ فِي كِتَابَتِهَا قَبْلَ انْدِلَاعِ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الأُولَى، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنْهَا، لِيَعُودَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْحَرْبِ، فَخَرَجَتْ رِوَايَةً تَجْمَعُ بَيْنَ السَّرْدِ، وَالْفَلْسَفَةِ، وَالتَّأَمُّلِ، وَالنَّقْدِ الْحَضَارِيِّ. وَقَدِ اسْتَوْحَى مَادَّتَهَا مِنْ زِيَارَتِهِ لِمُصَحٍّ لِعِلَاجِ مَرَضَى السُّلِّ فِي مَدِينَةِ دافوس بِسُوَيْسِرَا، حَيْثُ كَانَتْ زَوْجَتُهُ تَتَلَقَّى الْعِلَاجَ.
تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ بِالشَّابِّ هَانْسْ
كَاسْتُورْبْ، الْمُهَنْدِسِ الْوَاعِدِ، الَّذِي يَصْعَدُ إِلَى مُصَحٍّ فِي
أَعَالِي جِبَالِ سُوَيْسِرَا لِزِيَارَةِ ابْنِ عَمِّهِ الَّذِي يُعَالَجُ مِنَ
السُّلِّ. وَلَمْ يَكُنْ يَنْوِي الْبَقَاءَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَسَابِيعَ، غَيْرَ
أَنَّ الْمُصَحَّ يَأْسِرُهُ بِعَالَمِهِ الْمُغْلَقِ، وَبِإِيقَاعِهِ الْبَطِيءِ،
وَبِسُكَّانِهِ الْغَرِيبِينَ، وَبِالْمَرْأَةِ الْغَامِضَةِ كْلَاوْدْيَا
شُوشَا، فَيَتَحَوَّلُ الزَّائِرُ الْعَابِرُ إِلَى مُقِيمٍ يَمْكُثُ سَبْعَ
سَنَوَاتٍ كَامِلَةً.
وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُعَلَّقِ بَيْنَ
الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، تَدُورُ حِوَارَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ عَمِيقَةٌ حَوْلَ
الزَّمَنِ، وَالْمَرَضِ، وَالْحُبِّ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ،
وَالدِّينِ، وَالسِّيَاسَةِ. وَمَعَ اقْتِرَابِ أُورُوبَّا مِنَ الْحَرْبِ
الْعَالَمِيَّةِ الأُولَى، يُصْبِحُ الْمُصَحُّ صُورَةً مُصَغَّرَةً لِقَارَّةٍ
تَنْتَظِرُ الْاِنْفِجَارَ.
لَمْ يَكْتُبْ مَانْ رِوَايَتَهُ لِتَكُونَ
حِكَايَةً عَنْ مَرَضَى السُّلِّ فَحَسْبُ، بَلْ جَعَلَ مِنَ الْمَرَضِ
اِسْتِعَارَةً لِمَرَضِ الْحَضَارَةِ الأُورُوبِّيَّةِ قُبَيْلَ انْدِلَاعِ
الْحَرْبِ. وَفِي الْمُصَحِّ تَتَجَسَّدُ صِرَاعَاتُ الْفِكْرِ الأُورُوبِّيِّ:
الْعَقْلَانِيَّةُ، وَالإِنْسَانِيَّةُ، وَالنَّزَعَاتُ الثَّوْرِيَّةُ،
وَالتَّطَرُّفُ، وَالتَّصَوُّفُ، وَالْعِلْمُ، وَالْمَوْتُ، وَالزَّمَنُ.
وَلِهَذَا تُصَنَّفُ الرِّوَايَةُ ضِمْنَ
«رِوَايَاتِ التَّكْوِينِ»، أَيْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تُوَثِّقُ رِحْلَةَ نُضْجِ
الإِنْسَانِ رُوحِيًّا وَفِكْرِيًّا، غَيْرَ أَنَّ مَانْ أَضَافَ إِلَيْهَا
بُعْدًا فَلْسَفِيًّا وَحَضَارِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ. (
لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رِوَايَةَ أَحْدَاثٍ، بَلْ
رِوَايَةُ أَفْكَارٍ، وَرِوَايَةُ زَمَنٍ، وَرِوَايَةُ أَسْئِلَةٍ كُبْرَى.
فَكُلُّ شَخْصِيَّةٍ تُجَسِّدُ رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ، وَكُلُّ حِوَارٍ يَفْتَحُ
أُفُقًا جَدِيدًا لِلتَّفْكِيرِ.
كَذَلِكَ أَبْدَعَ مَانْ فِي تَصْوِيرِ الزَّمَنِ،
فَالسَّنَوَاتُ السَّبْعُ تَمُرُّ عَلَى الْبَطَلِ كَأَنَّهَا لَحْظَاتٌ،
وَتُصْبِحُ التَّجْرِبَةُ النَّفْسِيَّةُ أَهَمَّ مِنَ الزَّمَنِ الْفِعْلِيِّ.
وَهَذَا مَا جَعَلَ الرِّوَايَةَ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ جِيلٍ، لِأَنَّهَا
تُخَاطِبُ الْقَارِئَ فِي أَسْئِلَتِهِ الْوُجُودِيَّةِ الَّتِي لَا تَشِيخُ
أَثَّرَتْ «الْجَبَلُ السِّحْرِيُّ» فِي أَجْيَالٍ
مِنَ الرُّوَائِيِّينَ، وَغَدَتْ مَرْجِعًا فِي الرِّوَايَةِ الْحَدَاثِيَّةِ
وَرِوَايَةِ الأَفْكَارِ. وَكَثِيرٌ مِنَ الدَّارِسِينَ يَرَوْنَ أَنَّهَا
أَعَادَتْ تَعْرِيفَ الرِّوَايَةِ بِوَصْفِهَا فَضَاءً لِلْفَلْسَفَةِ وَالْجَدَلِ
الْفِكْرِيِّ.
وَقَدْ أُلْهِمَتْ مِنْهَا أَعْمَالٌ
سِينَمَائِيَّةٌ، وَأُنتِجَ فِيلْمٌ مُقْتَبَسٌ مِنْهَا، كَمَا بَقِيَتْ
مَوْضُوعًا لِلدِّرَاسَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ عِلَاقَةَ
الزَّمَنِ بِالْوَعْيِ، وَالْمَرَضِ بِالْمَعْرِفَةِ، وَالْحَيَاةِ بِالْمَوْتِ.
اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ
مِنْ أَشْهَرِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي
الرِّوَايَةِ:
«مِنْ أَجْلِ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ، لَا
يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَدَعَ الْمَوْتَ يَسُودُ أَفْكَارَهُ.»
وَهِيَ عِبَارَةٌ تُلَخِّصُ الْمَوْقِفَ
الإِنْسَانِيَّ الَّذِي أَرَادَهُ مَانْ لِرِوَايَتِهِ، حَيْثُ يَبْقَى الْحُبُّ
وَالرَّحْمَةُ أَقْوَى مِنْ هَيْمَنَةِ الْمَوْتِ.
أَعْتَقِدُ أَنَّ «الْجَبَلَ السِّحْرِيَّ»
لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ رِفِيقَةُ عُمْرٍ
يَعُودُ إِلَيْهَا الْقَارِئُ كُلَّمَا تَغَيَّرَتْ نَظْرَتُهُ إِلَى الْحَيَاةِ.
فَفِي شَبَابِنَا نَقْرَؤُهَا بَحْثًا عَنِ الْمُغَامَرَةِ، وَفِي نُضْجِنَا
نَقْرَؤُهَا بَحْثًا عَنِ الْحِكْمَةِ، وَفِي آخِرِ الْمَطَافِ نُدْرِكُ أَنَّ
الْجَبَلَ السِّحْرِيَّ لَيْسَ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا، بَلْ هُوَ الْإِنْسَانُ
نَفْسُهُ، بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَسْئِلَةٍ لَا تَنْتَهِي.
إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُعَلِّمُنَا أَنَّ
الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُولَدُ مِنَ الْيَقِينِ، بَلْ مِنْ
مُجَابَهَةِ الْغُمُوضِ، وَأَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي نَعِيشُهُ فِي الدَّاخِلِ
أَعْمَقُ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي تَقِيسُهُ السَّاعَاتُ.
فِي الْحَلْقَةِ الْقَادِمَةِ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى
عَالَمٍ آخَرَ لَا يَقِلُّ دَهْشَةً، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ الذَّاكِرَةُ
بِالْمَدِينَةِ، وَيَتَحَوَّلُ السَّرْدُ إِلَى مُتَاهَةٍ مِنَ الرَّمْزِ
وَالْحُلْمِ، لِنُوَاصِلَ رِحْلَتَنَا مَعَ إِحْدَى الرَّوَائِعِ الَّتِي
غَيَّرَتْ مَسَارَ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.
مع تحيات الكاتب المغربي
عبدو حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق