الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يوليو 05، 2026

المغرب يوقّع حضوره الثقافي بنبض فني متجدد: عبده حقي


شهدت الساحة الثقافية والفنية المغربية خلال الأيام الماضية دينامية لافتة، امتدت من قطاع النشر والكتاب إلى الموسيقى والمهرجانات والسينما والفنون البصرية، بما يعكس استمرار الرهان على الثقافة باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة للمغرب. ولم تقتصر هذه الأنشطة على تنظيم تظاهرات جماهيرية، بل اتجهت أيضًا إلى ترسيخ حضور المغرب في الفضاء الثقافي الدولي عبر استضافة فعاليات كبرى، وتشجيع الصناعات الإبداعية، وفتح المجال أمام الحوار بين المبدعين والناشرين والباحثين. وقد برزت خلال الأسبوع الأخير مجموعة من الأحداث التي استقطبت اهتمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية.

أولًا: اختتام فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط

يظل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط أبرز حدث ثقافي عرفه المغرب خلال هذه الفترة، إذ اختتم دورته الحالية بعد أسابيع من الندوات الفكرية واللقاءات الأدبية وتوقيع الإصدارات الجديدة وورشات القراءة والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب. وقد شارك في هذه الدورة مئات الناشرين من عشرات الدول، إلى جانب حضور مكثف لكتاب ومفكرين ومترجمين من مختلف القارات، مما منح المعرض بعدًا دوليًا واضحًا. كما شهدت الأيام الأخيرة تنظيم قراءات شعرية وعروض فنية ومناقشات حول مستقبل النشر والذكاء الاصطناعي والترجمة والأدب الإفريقي. (

أما من الناحية التحليلية، فقد أكد نجاح هذه الدورة أن المغرب أصبح أحد أهم المراكز الثقافية العربية والإفريقية في مجال صناعة الكتاب. كما أبرزت كثافة الحضور الجماهيري أن القراءة لا تزال تمتلك جمهورًا واسعًا، خلافًا للصورة النمطية التي تتحدث عن تراجع الاهتمام بالكتاب الورقي. كذلك أظهرت الندوات الفكرية انفتاح المؤسسة الثقافية المغربية على الأسئلة الجديدة المرتبطة بالتحول الرقمي والإبداع الهجين، وهو ما يمنح المعرض وظيفة تتجاوز البيع والشراء نحو صناعة النقاش العمومي حول الثقافة.

ثانيًا: تعزيز مكانة المغرب في المعارض الدولية للكتاب

أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن مواصلة سياسة الانفتاح الدولي عبر المشاركة في معارض دولية وتنظيم تظاهرات كبرى داخل المغرب، وهو ما يعزز حضور النشر المغربي في الأسواق العالمية ويتيح فرصًا أوسع للترجمة والتعاون الثقافي. وقد ركزت التغطيات الإعلامية على الدور الذي تلعبه هذه المشاركات في إبراز التنوع الثقافي المغربي أمام جمهور دولي واسع

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في السياسة الثقافية المغربية؛ فبدل الاقتصار على تنظيم التظاهرات داخل البلاد، أصبح المغرب يسعى إلى تصدير إنتاجه الفكري والإبداعي، وربط الناشرين المغاربة بشبكات النشر العالمية. وهذا التوجه ينسجم مع الاستراتيجية الرامية إلى جعل الثقافة رافعة دبلوماسية واقتصادية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالأدب الإفريقي والعربي.

ثالثًا: استمرار الحركية الموسيقية والمهرجانات الصيفية

عرفت المدن المغربية خلال الأيام الماضية سلسلة من السهرات والعروض الموسيقية المرتبطة بالموسم الصيفي، حيث استقبلت دور الثقافة والساحات العمومية حفلات لفنانين مغاربة في مختلف الأنماط الموسيقية، من الموسيقى الشعبية إلى الأغنية العصرية والموسيقى الأمازيغية، وسط حضور جماهيري كبير. كما شهدت بعض المدن احتفالات مرتبطة بالموسيقى العالمية، في إطار انفتاح المشهد الفني المغربي على التجارب الدولية. (

وتؤكد هذه الحركية أن المهرجانات لم تعد مجرد فضاءات للترفيه، بل أصبحت محركات للاقتصاد الثقافي والسياحة الداخلية. فكل تظاهرة موسيقية تنعكس على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والصناعات التقليدية، وهو ما يجعل الاستثمار في الثقافة استثمارًا اقتصاديًا أيضًا. كما ساهمت هذه الأنشطة في إتاحة فرص أكبر للفنانين الشباب من أجل تقديم أعمالهم أمام جمهور واسع.

رابعًا: ازدهار الندوات الفكرية والنقاشات الثقافية

احتضنت قاعات المعرض الدولي للنشر والكتاب سلسلة من الندوات الفكرية التي تناولت موضوعات متنوعة، من بينها مكانة الرباط كمدينة للكتاب والثقافة، ومستقبل القراءة، ودور الترجمة، والعلاقات الثقافية بين المغرب وإفريقيا والعالم العربي. وقد شارك في هذه اللقاءات باحثون وأكاديميون وكتاب من داخل المغرب وخارجه

وتكشف هذه الندوات عن تطور مهم في طبيعة الفعل الثقافي المغربي؛ إذ لم يعد النشاط الثقافي يقتصر على تقديم الكتب، بل أصبح فضاءً للنقاش حول القضايا الفكرية الراهنة. كما أن استضافة شخصيات فكرية من دول متعددة تعزز موقع المغرب كمنصة للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب.

خامسًا: تنامي الاهتمام بالفنون البصرية والأنشطة الموازية

إلى جانب الكتاب والموسيقى، شهدت الأيام الأخيرة تنظيم معارض تشكيلية وورشات للرسم والخط العربي وفنون الأداء داخل فضاءات ثقافية متعددة، إضافة إلى عروض مسرحية وقراءات أدائية وأنشطة شبابية مفتوحة. وقد شكلت هذه الفعاليات جزءًا من البرنامج الموازي للتظاهرات الثقافية الكبرى، وأسهمت في استقطاب جمهور جديد، خاصة من فئة الشباب والأطفال

ومن منظور تحليلي، فإن هذا التنوع في البرمجة الثقافية يعكس انتقال المؤسسات المغربية من منطق "الحدث الواحد" إلى منطق "المنظومة الثقافية" التي تجمع الأدب والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى في فضاء واحد. ويساعد هذا التكامل على تكوين جمهور متعدد الاهتمامات، ويمنح الفنانين فرصًا للتفاعل مع مجالات إبداعية مختلفة.

خاتمة

تكشف حصيلة الأيام الماضية أن المشهد الثقافي والفني المغربي يعيش مرحلة من الحيوية والتوسع، مدعومًا بتعدد المبادرات الرسمية والمدنية، واتساع شبكة المهرجانات والمعارض واللقاءات الفكرية. كما تؤكد هذه الأنشطة أن الثقافة المغربية أصبحت تتحرك في اتجاهين متوازيين: الأول داخلي، يهدف إلى توسيع المشاركة المجتمعية في الفعل الثقافي، والثاني خارجي، يسعى إلى ترسيخ صورة المغرب بوصفه مركزًا للحوار والإبداع في الفضاءين العربي والإفريقي. وإذا استمرت هذه الدينامية بنفس الوتيرة، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال المغرب إلى موقع أكثر تأثيرًا في خريطة الصناعات الثقافية والإبداعية على المستوى الإقليمي والدولي


0 التعليقات: