لَمْ أَدْخُلِ الْبِلادَ، بَلْ دَخَلَتْنِي الْبِلادُ كَغُدَّةٍ مِنْ ضَوْءٍ تَتَنَفَّسُ فِي عِظَامِي، وَرَأَيْتُ الْأُفُقَ يَنْفُضُ عَنْ أَجْفَانِهِ غُبَارَ الْقُرُونِ، ثُمَّ يَسْكُبُ عَلَى الرِّيحِ أَسْمَاءً لَمْ يَنْطِقْهَا لِسَانٌ، وَلَمْ تَحْمِلْهَا صَفِيحَةُ طِينٍ، وَلَا أَضَاعَهَا سِجِلُّ الْمُلُوكِ.
هُنَاكَ، كَانَتِ الْحِرْباءُ لَا تَمْشِي، بَلْ تَسْتَخْرِجُ الْمَسَافَاتِ مِنْ أَضْلَاعِ الْهَوَاءِ، وَتَحْلُبُ مِنْ جِلْدِهَا أَلْوَانًا تَنْسَلُّ كَالْأَفَاعِي الْمُذَهَّبَةِ، فَتَتَدَلَّى مِنْهَا سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ الْأَيَّامُ نَحْوَ مَغَارَاتٍ لَا تَسَعُهَا السَّمَاوَاتُ.
رَأَيْتُ الزَّمَنَ يَسْتَبْدِلُ عِظَامَهُ بِأَغْصَانِ السِّدْرِ، وَيُرَبِّي فِي قَفَاهُ أَجْنِحَةً مِنْ رَمَادِ الْبَرَاقِ، ثُمَّ يَنْحَنِي لِيَشْرَبَ مِنْ بُحَيْرَةٍ صُنِعَتْ مِنْ دُمُوعِ الْقَمَرِ، فَكَانَ كُلُّ ارْتِشَافَةٍ تُوَلِّدُ قَارَّةً، وَكُلُّ زَفْرَةٍ تُطْفِئُ أَلْفَ شَمْسٍ وَتُوقِدُ أَلْفًا أُخْرَى.
وَالصَّمْتُ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا، بَلْ كَائِنًا يَرْتَدِي جِلْدَ النُّحَاسِ، يَجْمَعُ مِنْ أَظْلَافِ النُّجُومِ حَبَّ الْكَلَامِ، ثُمَّ يَبْذُرُهُ فِي حَلْقِ الرِّيحِ، فَتُزْهِرُ الْهَمْسَاتُ عَلَى هَيْئَةِ أَجْرَاسٍ تُصَلِّي لِلْفَرَاغِ.
وَكُلَّمَا تَبَدَّلَ لَوْنُ الْحِرْباءِ، تَبَدَّلَتِ الْجِهَاتُ، فَصَارَ الشَّمَالُ يَرْعَى فِي جَنُوبِ الْغُيُومِ، وَالْمَغْرِبُ يَخْبِزُ الْفَجْرَ عَلَى مَوَاقِدِ الْمَشْرِقِ، وَتَحَوَّلَتِ الْبِحَارُ إِلَى مَسَابِحَ لِلرَّمْلِ، وَالرِّمَالُ إِلَى أَنْهَارٍ مِنْ رِيشِ الْعَنْقَاءِ.
أَمَّا الْأَرْضُ، فَكَانَتْ تَرْقُصُ عَلَى مَفَاصِلِهَا الْخَفِيَّةِ، كَأَنَّهَا تُجَرِّبُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى ثِقَلَ الْوُجُودِ، وَكَانَتِ الْجِبَالُ تُغَيِّرُ قِمَمَهَا كَمَا يُغَيِّرُ الرُّعَاةُ عِصِيَّهُمْ، وَتُطْلِقُ فِي الْوِدْيَانِ ظِبَاءً مِنْ ضَوْءٍ، تَرْضَعُ مِنْ ضَرْعِ الضَّبَابِ.
وَرَأَيْتُ الْأَشْجَارَ تَتَبَادَلُ جُذُورَهَا، وَتُخْفِي فِي أَجْوَافِهَا أَرْشِيفَ الرِّيحِ، وَتُعَلِّقُ عَلَى أَغْصَانِهَا رُؤُوسَ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، كَأَنَّهَا ثِمَارٌ لَمْ يَكْتَمِلْ نُضْجُهَا.
وَكَانَتِ النُّجُومُ تَتَسَاقَطُ لَا كَأَحْجَارٍ، بَلْ كَمَخَاطِيطَ مَحْذُوفَةٍ مِنْ كِتَابِ الْخَلِيقَةِ، فَنَلْتَقِطُهَا، وَنَغْرِسُهَا فِي أَكُفِّنَا، فَتُورِقُ أَصَابِعُنَا أَغَانِيَ لَا يَسْمَعُهَا إِلَّا الْمَوْتُ إِذَا خَلَعَ دِرْعَهُ.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ، خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارَةٍ زَرْقَاءَ، تَحْمِلُ عَلَى كَتِفِهَا قِنْدِيلًا مَصْنُوعًا مِنْ رِئَةِ شَهَابٍ، وَتَقُودُ قَطِيعًا مِنَ الظِّلَالِ الْمُوَشَّاةِ بِاللُّؤْلُؤِ. كُلَّمَا خَطَتْ خُطْوَةً، انْشَقَّ الْهَوَاءُ عَنْ مَدِينَةٍ نَائِمَةٍ فِي دَمِ الْغَيْمِ، وَكُلَّمَا ابْتَسَمَتْ، تَسَاقَطَتْ مِنْ فَمِهَا مَفَاتِيحُ لُغَاتٍ لَمْ يَخْتَرِعْهَا الْبَشَرُ.
وَسَمِعْتُ الْحِرْباءَ تُنَاجِي أَخَوَاتِهَا لَا بِالصَّوْتِ، بَلْ بِتَبَدُّلِ الْأَلْوَانِ، فَكَانَ الْأَخْضَرُ وَصِيَّةً، وَالْأَزْرَقُ نُبُوءَةً، وَالذَّهَبِيُّ مَقْبَرَةً لِلضَّوْءِ، وَالْقِرْمِزِيُّ بُرْهَانًا عَلَى أَنَّ الدَّمَ يَحْلُمُ هُوَ الْآخَرُ.
ثُمَّ انْفَتَحَتِ السَّاعَاتُ كَالزَّنَابِقِ، وَخَرَجَتْ مِنْهَا أَسْمَاكٌ تَتَنَفَّسُ الْوَقْتَ، وَتَأْكُلُ أَظَافِرَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَتُخْفِي فِي خَيَاشِيمِهَا بُذُورَ الْأَمْسِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ نَهْرًا، بَلْ حَيَوَانٌ أَعْمَى يَتَلَمَّسُ طَرِيقَهُ بِقُلُوبِنَا.
وَعِنْدَمَا بَلَغْنَا آخِرَ الْمَسِيرِ، لَمْ نَجِدْ نِهَايَةً، بَلْ وَجَدْنَا بَابًا يَقُودُ إِلَى بَدَايَةٍ أُخْرَى، وَكَانَتِ الْحِرْباءُ تَنْزِعُ آخِرَ أَلْوَانِهَا، وَتُعَلِّقُهُ عَلَى كَتِفِ الْفَجْرِ، لِيُصْبِحَ النُّورُ مُذْ ذَلِكَ الْحِينِ كَائِنًا يَتَبَدَّلُ، وَالْعَتَمَةُ أُخْتًا لَهُ، وَالذَّاكِرَةُ غَابَةً تُرَبِّي أَصْدَاءَهَا كَمَا تُرَبِّي الْأُمُّ أَطْفَالَهَا.
فَمَضَيْنَا، لَا نَحْمِلُ أَسْمَاءَنَا، بَلْ تَحْمِلُنَا أَسْمَاؤُنَا، وَلَا نُفَسِّرُ الْكَوْنَ، بَلْ يَكْتُبُنَا الْكَوْنُ حَرْفًا حَرْفًا عَلَى رَقٍّ مِنْ ضِيَاءِ الْغَيْبِ، حَتَّى غَدَوْنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا أَصْدَاءً لِحِرْباءٍ كَوْنِيَّةٍ، تُبَدِّلُ جِلْدَهَا كُلَّمَا أَرَادَتِ الْخَلِيقَةُ أَنْ تَحْلُمَ حُلْمًا جَدِيدًا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق