فِي هَذِهِ الْحَلْقَةِ أَدْعُوكُمْ إِلَى رِحْلَةٍ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ الرِّحْلَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا الْخَيَالُ الْإِنْسَانِيُّ، رِحْلَةٍ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْمَكَانِ، وَلَا تَخْضَعُ لِسُلْطَةِ الزَّمَانِ، بَلْ تَعْبُرُ الْجَحِيمَ، وَالْمَطْهَرَ، وَالْفِرْدَوْسَ، فِي مَسِيرَةٍ تَبْدُو دِينِيَّةً مِنَ الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهَا فِي الْعُمْقِ سَفَرٌ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. إِنَّهَا الْمَلْهَاةُ الْإِلَهِيَّةُ، أَعْظَمُ أَثَرٍ أَدَبِيٍّ خَلَّدَ اسْمَ الشَّاعِرِ الْإِيطَالِيِّ دانتي أليغييري، وَأَحَدُ النُّصُوصِ الَّتِي غَيَّرَتْ تَارِيخَ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَسْهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ اللُّغَةِ الْإِيطَالِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. كَتَبَ دَانْتِي هَذَا الْعَمَلَ بَيْنَ عَامَيِ 1308 وَ1321، وَقَبْلَ وَفَاتِهِ بِقَلِيلٍ أَتَمَّ آخِرَ أَنَاشِيدِهِ، لِيَتْرُكَ لِلْإِنْسَانِيَّةِ نَصًّا يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ عَصْرٍ.
تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ بِرَجُلٍ يَجِدُ
نَفْسَهُ تَائِهًا فِي غَابَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَيَشْعُرُ أَنَّهُ فَقَدَ الطَّرِيقَ
الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْخَلَاصِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ
يَلْتَقِي بِالشَّاعِرِ الرُّومَانِيِّ فرجيل، الَّذِي يُصْبِحُ
دَلِيلَهُ فِي رِحْلَةِ الْجَحِيمِ ثُمَّ الْمَطْهَرِ، قَبْلَ أَنْ تَتَوَلَّى بياتريتشي
قِيَادَتَهُ نَحْوَ الْفِرْدَوْسِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى أَقْصَى مَرَاتِبِ
الْمَعْرِفَةِ وَالنُّورِ. لَيْسَتِ الرِّحْلَةُ مُجَرَّدَ اسْتِعْرَاضٍ لِعَالَمِ
الْآخِرَةِ، بَلْ هِيَ مَسِيرَةُ الْإِنْسَانِ نَحْوَ التَّوْبَةِ وَالْحَقِّ
وَالْحِكْمَةِ، وَفِي كُلِّ دَائِرَةٍ مِنْ دَوَائِرِ الْجَحِيمِ، وَفِي كُلِّ
مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْمَطْهَرِ وَالسَّمَاءِ، نُصَادِفُ شَخْصِيَّاتٍ
تَارِيخِيَّةً وَأُسْطُورِيَّةً وَدِينِيَّةً، يَجْعَلُهَا دَانْتِي مِرْآةً
لِلضَّمِيرِ الْإِنْسَانِيِّ
وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا الْعَمَلِ
بِعِيدًا عَنْ زَمَنِهِ. فَقَدْ عَاشَ دَانْتِي فِي عَصْرٍ امْتَلَأَ
بِالصِّرَاعَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْخِلَافَاتِ بَيْنَ الْمُدُنِ
الْإِيطَالِيَّةِ، وَعَانَى النَّفْيَ عَنْ مَدِينَتِهِ فِيرِنْسَا، فَتَحَوَّلَ
أَلَمُهُ الشَّخْصِيُّ إِلَى رُؤْيَا شَامِلَةٍ لِلْعَدَالَةِ وَالْمَصِيرِ
الْإِنْسَانِيِّ. وَاسْتَنَدَ إِلَى التُّرَاثِ الْمَسِيحِيِّ فِي الْعُصُورِ
الْوُسْطَى، وَإِلَى فَلْسَفَةِ توما الأكويني، وَإِلَى
الْمِيرَاثِ الْإِغْرِيقِيِّ وَالرُّومَانِيِّ، لِيَبْنِيَ عَالَمًا رَمْزِيًّا
يَتَدَاخَلُ فِيهِ الدِّينُ وَالشِّعْرُ وَالسِّيَاسَةُ وَالْفَلْسَفَةُ فِي
نَسِيجٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ اعْتُبِرَتِ الْمَلْهَاةُ
الْإِلَهِيَّةُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَالِدَةِ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ.
فَهِيَ لَمْ تُغَيِّرْ مَفْهُومَ الْمَلْحَمَةِ فَحَسْبُ، بَلْ رَفَعَتِ اللُّغَةَ
الْإِيطَالِيَّةَ الدَّارِجَةَ إِلَى مَقَامِ اللُّغَةِ الْأَدَبِيَّةِ،
وَأَثْبَتَتْ أَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِهَا النَّاسُ قَادِرَةٌ عَلَى
احْتِضَانِ أَعْظَمِ الْأَفْكَارِ وَأَرْقَى الصُّوَرِ الشِّعْرِيَّةِ. وَفَوْقَ
ذَلِكَ، فَإِنَّ الرِّحْلَةَ الَّتِي يَقْطَعُهَا دَانْتِي لَيْسَتْ رِحْلَةَ
شَخْصٍ وَاحِدٍ، بَلْ هِيَ رِحْلَةُ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا فِي بَحْثِهَا الدَّائِمِ
عَنِ الْحَقِيقَةِ وَالنُّورِ وَالْخَلَاصِ.
وَكَانَ أَثَرُ هَذَا الْعَمَلِ هَائِلًا فِي
الْآدَابِ وَالْفُنُونِ وَالْفَلْسَفَةِ. فَقَدِ اسْتَلْهَمَهُ شُعَرَاءُ
وَرُوَائِيُّونَ وَرَسَّامُونَ وَنَحَّاتُونَ وَمُوسِيقِيُّونَ عَلَى مَدَى
سَبْعَةِ قُرُونٍ، كَمَا أَعَادَتِ السِّينَمَا وَالْمَسْرَحُ وَالرُّسُومُ
الْمُتَحَرِّكَةُ وَأَلْعَابُ الْفِيدْيُو تَجْسِيدَ مَشَاهِدِهِ وَشَخْصِيَّاتِهِ
بِأَشْكَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَمَا زَالَتْ رِحْلَةُ الْجَحِيمِ وَالْمَطْهَرِ
وَالْفِرْدَوْسِ مَرْجِعًا لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ عَنِ الْخَيْرِ
وَالشَّرِّ وَالْمَصِيرِ وَالضَّمِيرِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الْعَمَلِ،
فِي مُسْتَهَلِّ دُخُولِ الْجَحِيمِ، تَقَعُ الْعِبَارَةُ الَّتِي أَصْبَحَتْ مِنْ
أَكْثَرِ الْجُمَلِ تَدَاوُلًا فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ:
«اتْرُكُوا كُلَّ رَجَاءٍ، يَا أَنْتُمُ الدَّاخِلِينَ
أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا عُدْتُ إِلَى الْمَلْهَاةِ
الْإِلَهِيَّةِ، شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ كِتَابًا قَدِيمًا، بَلْ
أَقْرَأُ الْإِنْسَانَ نَفْسَهُ. فَدَانْتِي لَا يَدْعُونَا إِلَى مُشَاهَدَةِ
الْجَحِيمِ فَقَطْ، بَلْ يُجْبِرُنَا عَلَى أَنْ نُفَتِّشَ عَنْ دَوَائِرِ
الْجَحِيمِ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي أَنْفُسِنَا، وَعَنْ سُلَّمِ الْخَلَاصِ
الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَبْنِيَهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَحَبَّةِ.
وَلِهَذَا أَرَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ لَا يَشِيخُ، لِأَنَّهُ يُخَاطِبُ
الْأَسْئِلَةَ الَّتِي لَا تَشِيخُ.
أَشْكُرُكُمْ عَلَى حُسْنِ الْإِصْغَاءِ،
وَأَدْعُوكُمْ فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ إِلَى رِحْلَةٍ أَدَبِيَّةٍ
جَدِيدَةٍ مَعَ أَثَرٍ آخَرَ مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ،
لِنُوَاصِلَ مَعًا اكْتِشَافَ الْكُتُبِ الَّتِي صَنَعَتْ تَارِيخَ الْإِنْسَانِ
وَغَيَّرَتْ نَظْرَتَهُ إِلَى الْحَيَاةِ.
مع تحيات الكاتب
المغربي عبدو حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق